والشّعوب ، حتّى ولو حصل التّعدّي خطأ ، ومن غير قصد . فإذا اخترقت طائرة دولة أجواء دولة أخرى ، أو تجاوز زورق من زوارقها المياه الإقليميّة دون إذن سابق ، وجب أن تعلن اعتذارها ، وإلّا أدانها العرف والقانون . إذن كلّ آية أو رواية دلّت على وجوب التّوبة فهي تقرير وتعبير عن حكم الفطرة ، وليست تأسيسا وتشريعا جديدا لوجوب التّوبة .
وعلى هذا فمن أذنب ولم يتب ، فقد أساء مرّتين : مرّة على فعل الذّنب ، ومرّة على ترك التّوبة ، وأسوأ حالا ممّن ترك التّوبة من فسخها ، وعاد إلى الذّنب بعد أن عاهد اللّه على الوفاء بالطّاعة والامتثال ، قال تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
المائدة : 95 . وفي الحديث : « المقيم على الذّنب ، وهو مستغفر منه كالمستهزء » ،
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
البقرة : 15 .
ويتحقّق الذّنب بترك ما أمر اللّه به ، أو فعل ما نهى عنه عن قصد وتصميم . وبديهة أنّ أحكام العقل هي أحكام اللّه بالذّات ، لأنّه جلّ وعزّ يبلّغ أحكامه بوسيلتين : العقل ، ولسان رسله وأنبيائه . والنّتيجة الحتميّة لهذا المبدأ أنّه لا ذنب ولا عقاب بلا بيان ، على حدّ تعبير الفقهاء المسلمين ، أو بلا نصّ على حدّ تعبير أهل القوانين الوضعيّة .
إذا تمهّد هذا تبيّن معنى أنّ الإنسان إنّما يكون مذنبا وعاصيا إذا فعل ما نهى اللّه عنه ، أو ترك ما أمر اللّه به عن تعمّد وعلم ، فإذا فعل أو ترك ناسيا ، أو مكرها ، أو جاهلا ، من غير تقصير وإهمال فلا يعدّ مذنبا ، وينتفي السّبب الموجب للتّوبة ، قال :
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ
المائدة : 39 ، أي بعد ذنبه ، لأنّ كلّ من أقدم على الذّنب فقد ظلم نفسه بتعريضها للحساب والعقاب .
أمّا تحديد التّوبة فهي أن يندم المذنب على ما كان منه ، ويطلب من اللّه العفو والمغفرة ، ولا يعود إلى الذّنب ثانية ، فإن عاد بطلت التّوبة ، واحتاج إلى استئنافها بعهد أحكم ، وقلب أسلم . قال الإمام زين العابدين عليه السّلام :
« اللّهمّ إن يكن النّدم توبة إليك فأنا أوّل التّائبين ، وإن يكن التّرك لمعصيتك إنابة فأنا أوّل المنيبين ، وإن يكن الاستغفار حطّة للذّنوب فإنّي لك من المستغفرين » .
والمراد بالاستغفار : الاستغفار بالفعل ، لا بالقول ، فيبدأ قبل كلّ شيء بتأدية حقوق النّاس ، وردّ ظلامتهم ، فإذا كان قد اغتصب درهما من إنسان أعاده إليه ، وإن كان قد أساء إليه بقول أو فعل طلب منه السّماحة ثمّ يقضي ما فاته من الفرائض ، كالحجّ والصّوم والصّلاة .
سمع أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام رجلا يقول : استغفر اللّه ، فقال الإمام : أتدري ما الاستغفار ؟ إنّه درجة العلّيّين ، وهو واقع على ستّة معان ، وذكرها الإمام ، منها : العزم على ترك العودة إلى الذّنب ، وتأدية الحقوق إلى المخلوقين ، وقضاء الفرائض ، ومتى توافرت هذه العناصر للتّائب كان من الّذين عناهم اللّه بقوله :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى
طه : 82 ، أي استمرّ على الهداية ، وهي الإيمان والعمل الصّالح ، وفي الحديث : « التّائب من الذّنب كمن لا ذنب له » بل يصبح من المحسنين ، قال تعالى :
تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً
هود : 3 ، وقال :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ