تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
الإنسان ذو أثر سيّئ في حياته لا يتاب منها ولا يرجع عنها إلّا مع العلم والإيقان بمساءتها ، ولا ينفكّ ذلك عن النّدم على وقوعها أوّلا ، والنّدم تأثّر خاصّ باطنيّ من فعل السّيّئ . ويتوقّف على استقرار هذا ، الرّجوع ببعض الأفعال الصّالحة المنافية لتلك السّيّئة ، الدّالّة على الرّجوع والتّوبة ثانيا . وإلى هذا يرجع جميع ما اعتبر شرعا من آداب التّوبة ، كالنّدم والاستغفار والتّلبّس بالعمل الصّالح ، والانقلاع عن المعصية ، إلى غير ذلك ممّا وردت به الأخبار ، وتعرّض له كتب الأخلاق . وسادسا : أنّ التّوبة وهي الرّجوع الاختياريّ عن السّيّئة إلى الطّاعة والعبوديّة ، إنّما تتحقّق في ظرف الاختيار ، وهو الحياة الدّنيا الّتي هي مستوى الاختيار . وأمّا فيما لا اختيار للعبد هناك في انتخاب كلّ من طريقي الصّلاح والطّلاح والسّعادة والشّقاوة فلا مسرح للتّوبة فيه ، وقد تقدّم ما يتّضح به ذلك . ومن هذا الباب التّوبة فيما يتعلّق بحقوق النّاس ، فإنّها إنّما تصلح ما يتعلّق بحقوق اللّه سبحانه . وأمّا ما يتعلّق من السّيّئة بحقوق النّاس ممّا يحتاج في زواله إلى رضاهم فلا يتدارك بها ألبتّة ، لأنّ اللّه سبحانه احترم النّاس بحقوق جعلها لهم في أموالهم وأعراضهم ونفوسهم ، وعدّ التّعدّي إلى أحدهم في شيء من ذلك ظلما وعدوانا ، وحاشاه أن يسلبهم شيئا ممّا جعله لهم من غير جرم صدر منهم ، فيأتي هو نفسه بما ينهى عنه ويظلمهم بذلك ، وقد قال عزّ من قائل :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً
يونس : 44 . إلّا أنّ الإسلام وهو التّوبة من الشّرك ، يمحو كلّ سيّئة سابقة وتبعة ماضية متعلّقة بالفروع ، كما يدلّ عليه قوله عليه السّلام : « الإسلام يجبّ ما قبله » وبه تفسّر الآيات المطلقة الدّالّة على غفران السّيّئات جميعا ، كقوله تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ
الزّمر : 53 ، 54 . ومن هذا الباب أيضا توبة من سنّ سنّة سيّئة أو أضلّ النّاس عن سبيل الحقّ ، وقد وردت الأخبار أنّ عليه مثل أوزار من عمل بها أو ضلّ عن الحقّ ، فإنّ حقيقة الرّجوع لا تتحقّق في أمثال هذه الموارد ، لأنّ العاصي أحدث فيها حدثا ، له آثار يبقى ببقائها ، ولا يتمكّن من إزالتها ، كما في الموارد الّتي لا تتجاوز المعصية ما بينه وبين ربّه عزّ اسمه . وسابعا : أنّ التّوبة وإن كانت تمحو ما تمحوه من السّيّئات ، كما يدلّ عليه قوله تعالى :
فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ
البقرة : 275 ، على ما تقدّم من البيان في الجزء الثّاني من هذا الكتاب ، بل ظاهر قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً
الفرقان : 70 ، 71 ، وخاصّة بملاحظة الآية الثّانية أنّ التّوبة بنفسها أو بضميمة الإيمان والعمل الصّالح ، توجب تبدّل السّيّئات حسنات ، إلّا أنّ اتّقاء السّيّئة أفضل من اقترافها ثمّ إمحائها بالتّوبة ، فإنّ اللّه سبحانه أوضح في كتابه أنّ المعاصي كيفما كانت إنّما