تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
سواء ذكره أو لم يذكره ، فالمعنى : إنّي تائب لمّا شاهدت الموت الحقّ والجزاء الحقّ . وقد قال تعالى في نظيره حاكيا عن المجرمين يوم القيامة :
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ
السّجدة : 12 . فهذه التّوبة لا تقبل من صاحبها ، لأنّ اليأس من الحياة الدّنيا وهول المطّلع هما اللّذان أجبراه على أن يندم على فعله ، ويعزم على الرّجوع إلى ربّه ، ولات حين رجوع ؛ حيث لا حياة دنيويّة ولا خيرة عمليّة . قوله تعالى :
وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ
هذا مصداق آخر لعدم قبول التّوبة ، وهو الإنسان يتمادى في الكفر ثمّ يموت وهو كافر ، فإنّ اللّه لا يتوب عليه ، فإنّ إيمانه وهو توبته لا ينفعه يومئذ . وقد تكرّر في القرآن الكريم أنّ الكفر لا نجاة معه بعد الموت ؛ وأنّهم لا يجابون وإن سألوا ، قال تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
البقرة : 160 ، 162 ، وقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
آل عمران : 91 ، ونفي النّاصرين نفي للشّفاعة في حقّهم ، كما تقدّم في الكلام على الآية في الجزء الثّالث من الكتاب . وتقييد الجملة بقوله : ( وهم كفّار ) يدلّ على التّوبة للعاصي المؤمن إذا مات على المعصية من غير استكبار ولا تساهل ، فإنّ التّوبة من العبد بمعنى رجوعه إلى عبوديّة اختياريّة وإن ارتفع موضوعها بالموت كما تقدّم ، لكن التّوبة منه تعالى بمعنى الرّجوع بالمغفرة والرّحمة يمكن أن يتحقّق بعد الموت لشفاعة الشّافعين . وهذا في نفسه من الشّواهد على أنّ المراد بالآيتين : بيان حال توبة اللّه سبحانه لعباده لا بيان حال توبة العبد إلى اللّه إلّا بالتّبع . قوله تعالى :
أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً
اسم الإشارة يدلّ على بعدهم من ساحة القرب والتّشريف ، والإعتاد : الإعداد أو الوعد .

كلام في التّوبة

التّوبة بتمام معناها الوارد في القرآن من التّعاليم الحقيقيّة المختصّة بهذا الكتاب السّماويّ ، فإنّ التّوبة بمعنى الإيمان عن كفر وشرك وإن كانت دائرة في سائر الأديان الإلهيّة كدين موسى وعيسى عليهما السّلام ، لكن لامن جهة تحليل حقيقة التّوبة ، وتسريتها إلى الإيمان بل باسم أنّ ذلك إيمان . حتّى أنّه يلوح من الأصول الّتي بنوا عليها الدّيانة المسيحيّة المستقلّة عدم نفع التّوبة واستحالة أن يستفيد منها الإنسان ، كما يظهر ممّا أوردوه في توجيه الصّلب والفداء ، وقد تقدّم نقله في الكلام على خلقة المسيح ، في الجزء الثّالث من هذا الكتاب . هذا وقد انجرّ أمر الكنيسة بعد إلى الإفراط في أمر التّوبة إلى حيث كانت تبيع أوراق المغفرة وتتّجر بها ، وكان أولياء الدّين يغفرون ذنوب العاصين فيما اعترفوا به عندهم . لكنّ القرآن حلّل حال الإنسان بحسب وقوع