تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
قَرِيبٍ
أي إنّ عامل السّوء بجهالة لا يقيم عاكفا على طريقته ، ملازما لها مدى حياته ، من غير رجاء في عدوله إلى التّقوى والعمل الصّالح ، كما يدوم عليه المعاند اللّجوج بل يرجع عن عمله من قريب ، فالمراد بالقريب : العهد القريب أو الزّمان القريب ، وهو قبل ظهور آيات الآخرة وقدوم الموت . وكلّ معاند لجوج في عمله إذا شاهد ما يسوؤه من جزاء عمله ووبال فعله ألزمته نفسه على النّدامة والتّبرّي من فعله ، لكنّه بحسب الحقيقة ليس بنادم عن طبعه وهداية فطرته ، بل إنّما هي حيلة يحتالها نفسه الشّريرة للتّخلّص من وبال الفعل ، والدّليل عليه أنّه إذا اتّفق تخلّصه من الوبال المخصوص عاد ثانيا إلى ما كان عليه من سيّئات الأعمال ، قال تعالى :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
الأنعام : 28 . والدّليل على أنّ المراد ب « القريب » في الآية ، هو ما قبل ظهور آية الموت ، قوله تعالى في الآية التّالية :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ
إلى قوله :
قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ،
وعلى هذا يكون قوله :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
كناية عن المساهلة المفضية إلى فوت الفرصة . ويتبيّن ممّا مرّ أنّ القيدين جميعا ، أعني قوله : ( بجهالة ) ، وقوله :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
احتراز بأن يراد بالأوّل منهما أن لا يعمل السّوء عن عناد واستعلاء على اللّه ، وبالثّاني منهما أن لا يؤخّر الإنسان التّوبة إلى حضور موته كسلا وتوانيا ومماطلة ؛ إذ التّوبة هي رجوع العبد إلى اللّه سبحانه بالعبوديّة ، فيكون توبته تعالى أيضا قبول هذا الرّجوع ، ولا معنى للعبوديّة إلّا مع الحياة الدّنيويّة الّتي هي ظرف الاختيار وموطن الطّاعة والمعصية ، ومع طلوع آية الموت لا اختيار تتمشّى معه طاعة أو معصية ، قال تعالى :
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً
الأنعام : 158 ، وقال تعالى :
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ
المؤمن : 84 ، 85 ، إلى غير ذلك من الآيات . وبالجملة يعود المعنى إلى أنّ اللّه سبحانه إنّما يقبل توبة المذنب العاصي إذا لم يقترف المعصية استكبارا على اللّه ، بحيث يبطل منه روح الرّجوع والتّذلّل للّه ، ولم يتساهل ويتسامح في أمر التّوبة تساهلا يؤدّي إلى فوت الفرصة بحضور الموت . ويمكن أن يكون قوله : ( بجهالة ) قيدا توضيحيّا ، ويكون المعنى : للّذين يعملون السّوء ولا يكون ذلك إلّا عن جهل منهم ، فإنّه مخاطرة بالنّفس وتعرّض لعذاب أليم ، أو لا يكون ذلك إلّا عن جهل منهم بكنه المعصية وما يترتّب عليها من المحذور ، ولازمه كون قوله :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
إشارة إلى ما قبل الموت لا كناية عن المساهلة في أمر التّوبة ، فإنّ من يأتي بالمعصية استكبارا ولا يخضع لسلطان الرّبوبيّة يخرج على هذا الفرض ، بقوله :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
لا بقوله : ( بجهالة ) وعلى هذا لا يمكن الكناية بقوله : ( ثمّ يتوبون ) عن التّكاهل والتّواني ، فافهم ذلك . ولعلّ الوجه الأوّل أوفق لظاهر الآية .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 152 | مجمع البحوث الاسلامية