أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
يونس : 90 ، 91 .
قال ما محصّله : إنّ الآية لا تدلّ على ردّ توبته ، وليس في القرآن أيضا ما يدلّ على هلاكه الأبديّ ، وأنّه من المستبعد عند من يتأمّل سعة رحمة اللّه وسبقتها غضبه أن يجوّز عليه تعالى أنّه يردّ من التجأ إلى باب رحمته وكرامته متذلّلا مستكينا بالخيبة واليأس . والواحد منّا إذا أخذ بالأخلاق الإنسانيّة الفطريّة ، من الكرم والجود والرّحمة ، ليرحم أمثال هذا الإنسان النّادم حقيقة على ما قدّم من سوء الفعال ، فكيف بمن هو أرحم الرّاحمين وأكرم الأكرمين وغياث المستغيثين ؟
وهو مدفوع بقوله تعالى :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
الآية ، وقد تقدّم أنّ النّدامة حينئذ ندم كاذب ، يسوق الإنسان إلى إظهاره مشاهدته وبال الذّنب ونزول البلاء .
ولو كان كلّ ندم توبة وكلّ توبة مقبولة لدفع ذلك قوله تعالى حكاية لحال المجرمين يوم القيامة :
وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ
سبأ : 33 ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الحاكية لندمهم على ما فعلوا ، وسؤالهم الرّجوع إلى الدّنيا ليعملوا صالحا ، والرّدّ عليهم بأنّهم لو ردّوا لعادوا لما نهو عنه وإنّهم لكاذبون .
وإيّاك أن تتوهّم أنّ الّذي سلكه القرآن الكريم من تحليل التّوبة - على ما تقدّم توضيحه - تحليل ذهنيّ لا عبرة به في سوق الحقائق ؛ وذلك أنّ البحث في باب السّعادة والشّقاء والصّلاح والطّلاح الإنسانيّين لا ينتج غير ذلك . فإنّا إذا اعتبرنا حال الإنسان العاديّ في المجتمع على ما نراه من تأثير التّعليم والتّربية في الإنسان ، وجدناه خاليا في نفسه عن الصّلاح والطّلاح الاجتماعيّين ، قابلا للأمرين جميعا ، ثمّ إذا أراد أن يتحلّى بحلية الصّلاح ، ويتلبّس بلباس التّقوى الاجتماعيّ لم يمكن له ذلك إلّا بتوافق الأسباب على خروجه من الحال الّذي فيه ، وذلك يحاذي التّوبة الأولى من اللّه سبحانه في باب السّعادة المعنويّة ، ثمّ انتزاعه وانصراف نفسه عمّا هو فيه من رثاث الحال وقيد والتّثبّط والإهمال ، وهو توبة بمنزلة التّوبة من العبد فيما نحن فيه . ثمّ زوال هيئة الفساد ووصف الرّذالة المستولية على قلبه حتّى يستقرّ فيه وصف الكمال ونور الصّلاح ، فإنّ القلب لا يسع الصّلاح والطّلاح معا . وهذا يحاذي قبول التّوبة والمغفرة فيما نحن فيه ، وكذلك يجري في مرحلة الصّلاح الاجتماعيّ الّذي يسير فيه الإنسان بفطرته جميع ما اعتبره الدّين ، في باب التّوبة من الأحكام والآثار ، جريا على الفطرة الّتي فطر اللّه النّاس عليها .
وثالثا : أنّ التّوبة - كما يستفاد من مجموع ما تقدّم من الآيات المنقولة وغيرها - إنّما هي حقيقة ذات تأثير في النّفس الإنسانيّة ، من حيث إصلاحها وإعدادها للصّلاح الإنسانيّ الّذي فيه سعادة دنياه وآخرته وبعبارة أخرى التّوبة إنّما تنفع - إذا نفعت - في إزالة السّيّئات النّفسانيّة الّتي تجرّ إلى الإنسان كلّ شقاء في حياته الأولى والأخرى ، وتمنعه من الاستقرار على أريكة السّعادة ، وأمّا الأحكام الشّرعيّة والقوانين الدّينيّة فهي بحالها