تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
وقد ذكر بعضهم : أنّ المراد بقوله :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
أن تتحقّق التّوبة في زمان قريب من وقت وقوع المعصية عرفا ، كزمان الفراغ من إتيان المعصية أو ما يعدّ عرفا متّصلا به ، لا أن يمتدّ إلى حين حضور الموت ، كما ذكر . وهو فاسد لإفساده معنى الآية التّالية ، فإنّ الآيتين في مقام بيان ضابط كلّيّ لتوبة اللّه سبحانه ، أي لقبول توبة العبد ، على ما يدلّ عليه الحصر الوارد في قوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ
إلخ ، والآية الثّانية تبيّن الموارد الّتي لا تقبل فيها التّوبة ، ولم يذكر في الآية إلّا موردان : هما التّوبة للمسيء المتسامح في التّوبة إلى حين حضور الموت ، والتّوبة للكافر بعد الموت ، ولو كان المقبول من التّوبة هو ما يعدّ عرفا قريبا متّصلا بزمان المعصية ، لكان للتّوبة غير المقبولة مصاديق أخر لم تذكر في الآية . قوله تعالى :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
الإتيان باسم الإشارة الموضوع للبعيد لا يخلو من إشارة إلى ترفيع قدرهم وتعظيم أمرهم ، كما يدلّ قوله :
يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ
على المساهلة في إحصاء معاصيهم على خلاف ما في الآية الثّانية :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ .
وقد اختير لختم الكلام قوله :
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
دون أن يقال : وكان اللّه غفورا ، رحيما ، للدّلالة على أنّ فتح باب التّوبة إنّما هو لعلمه تعالى بحال العباد ، وما يؤدّيهم إليه ضعفهم وجهالتهم ، ولحكمته المقتضية لوضع ما يحتاج إليه إتقان النّظام وإصلاح الأمور ، وهو تعالى لعلمه وحكمته لا يغرّه ظواهر الأحوال بل يختبر القلوب ، ولا يستزلّه مكر ولا خديعة ، فعلى التّائب من العباد أن يتوب حقّ التّوبة حتّى يجيبه اللّه حقّ الإجابة . قوله تعالى :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
في عدم إعادة قوله : ( على اللّه ) مع كونه مقصودا ما لا يخفى من التّلويح إلى انقطاع الرّحمة الخاصّة والعناية الإلهيّة عنهم ، كما أنّ إيراد السّيّئات بلفظ الجمع يدلّ على العناية بإحصاء سيّئاتهم وحفظها عليهم ، كما تقدّمت الإشارة إليه . وتقييد قوله :
يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
بقوله :
حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
المفيد لاستمرار الفعل ، إمّا لأنّ المساهلة في المبادرة إلى التّوبة وتسويفها في نفسه معصية مستمرّة متكرّرة ، أو لأنّه بمنزلة المداومة على الفعل ، أو لأنّ المساهلة في أمر التّوبة لا تخلو غالبا عن تكرّر معاص ، مجانسة للمعصية الصّادرة أو مشابهة لها . وفي قوله :
حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
دون أن يقال : حتّى إذا جاءهم الموت ، دلالة على الاستهانة بالأمر والاستحقار له ، أي حتّى يكون أمر التّوبة هيّنا هذا الهوان سهلا هذه السّهولة ، حتّى يعمل النّاس ما يهوونه ويختاروا ما يشاؤونه ولا يبالون ، وكلّما عرض لأحدهم عارض الموت قال :
إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
فتندفع مخاطر الذّنوب ومهلكة مخالفة الأمر الإلهيّ ، بمجرّد لفظ يردّده ألسنتهم ، أو خطور يخطر ببالهم في آخر الأمر . ومن هنا يظهر معنى تقييد قوله :
قالَ إِنِّي تُبْتُ
بقوله : ( الان ) فإنّه يفيد أنّ حضور الموت ومشاهدة هذا القائل سلطان الآخرة هما الموجبان له أن يقول : ( تبت )