تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
كما سمعت . وأمّا قوله :
عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ
لفظة ( على ) و « اللّام » تفيدان معنى النّفع والضّرر ، كما في قولنا : دارت الدّائرة لزيد على عمرو ، وكان السّباق لفلان على فلان ، ووجه إفادة ( على ) و « اللّام » معنى الضّرر ، والنّفع ، أنّ ( على ) تفيد معنى الاستعلاء ، و « اللّام » معنى الملك والاستحقاق ، ولازم ذلك أنّ المعاني المتعلّقة بطرفين ينتفع بها أحدهما ويتضرّر بها الآخر ، كالحرب والقتال والنّزاع ونحوها ، فيكون أحدهما الغالب والآخر المغلوب ، ينطبق على الغالب منهما معنى الملك وعلى المغلوب معنى الاستعلاء ، وكذا ما أشبه ذلك كمنى التّأثير بين المتأثّر والمؤثّر ، ومعنى العهد والوعد بين المتعهّد والمتعهّد له ، والواعد والموعود له وهكذا ، فظهر أنّ كون ( على ) و « اللّام » كمعنى الضّرر والنّفع ، إنّما هو أمر طار من ناحية مورد الاستعمال ، لا من ناحية معنى اللّفظ . ولمّا كان نجاح التّوبة إنّما هو لوعد وعده اللّه عباده فأوجبها بحسبه على نفسه لهم ، قال هاهنا :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ
فيجب عليه تعالى قبول التّوبة لعباده . لكن لا على أنّ لغيره أن يوجب عليه شيئا أو يكلّفه بتكليف ، سواء سمّي ذلك الغير بالعقل أو نفس الأمر أو الواقع أو الحقّ أو شيئا آخر ، تعالى عن ذلك وتقدّس ، بل على أنّه تعالى وعد عباده أن يقبل توبة التّائب منهم وهو لا يخلف الميعاد ، فهذا معنى وجوب قبول التّوبة على اللّه فيما يجب ، وهو أيضا معنى وجوب كلّ ما يجب على اللّه من الفعل . وظاهر الآية أوّلا أنّها لبيان أمر التّوبة الّتي للّه ، أعني رجوعه تعالى بالرّحمة إلى عبده دون توبة العبد ، وإن تبيّن بذلك أمر توبة العبد بطريق اللّزوم فإنّ توبة اللّه سبحانه إذا تمّت شرائطها لم ينفكّ ذلك من تمام شرائط توبة العبد ، وهذا أعني كون الآية في مقام بيان توبة اللّه سبحانه لا يحتاج إلى مزيد توضيح . وثانيا أنّها تبيّن أمر التّوبة أعمّ ممّا إذا تاب العبد من الشّرك والكفر بالإيمان ، أو تاب من المعصية إلى الطّاعة بعد الإيمان ، فإنّ القرآن يسمّي الأمرين جميعا بالتّوبة ، قال تعالى :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ
المؤمن : 7 ، يريد : للّذين آمنوا بقرينة أوّل الكلام فسمّى الإيمان توبة ، وقال تعالى :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
التّوبة : 118 . والدّليل على أنّ المراد هي التّوبة أعمّ من أن تكون من الشّرك أو المعصية : التّعميم الموجود في الآية التّالية :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ
إلخ فإنّها تتعرّض لحال الكافر والمؤمن معا ، وعلى هذا فالمراد بقوله :
يَعْمَلُونَ السُّوءَ
ما يعمّ حال المؤمن والكافر معا ، فالكافر كالمؤمن الفاسق ممّن يعمل السّوء بجهالة ، إمّا لأنّ الكفر من عمل القلب ، والعمل أعمّ من عمل القلب والجوارح ، أو لأنّ الكفر لا يخلو من أعمال سيّئة من الجوارح ، فالمراد من للّذين يعملون السّوء بجهالة : الكافر والفاسق ، إذا لم يكونا معاندين في الكفر والمعصية . [ ثمّ ذكر معنى الجهالة وقال : ] ومن هنا يظهر معنى قوله تعالى :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ