وكذلك القرب والبعد لمّا كانا نسبيّين أمكن أن يتحقّق البعد في مقام القرب بنسبة بعض مواقفه ومراحله إلى بعض ، ويصدق حينئذ معنى التّوبة على رجوع بعض المقرّبين من عباد اللّه الصّالحين من موقفه الّذي هو فيه إلى موقف أرفع منه وأقرب إلى ربّه ، كما يشهد به ما يحكيه تعالى من توبة الأنبياء وهم معصومون بنصّ كلامه ، كقوله تعالى :
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ
البقرة : 37 ، وقوله تعالى :
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ
- إلى قوله
- وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
البقرة : 127 ، 128 ، وقوله تعالى : حكاية عن موسى عليه السّلام :
سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
الأعراف : 143 ، وقوله تعالى خطابا لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله :
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ
المؤمن :
55 ، وقوله تعالى :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ
التّوبة : 117 .
وهذه التّوبة العامّة من اللّه سبحانه هي الّتي يدلّ عليها إطلاق آيات كثيرة من كلامه تعالى ، كقوله تعالى :
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ
المؤمن : 3 ، وقوله تعالى :
يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ
الشّورى : 25 ، إلى غير ذلك .
فتلخّص ممّا مرّ أوّلا : أنّ نشر الرّحمة من اللّه سبحانه على عبده لمغفرة ذنوبه ، وإزالة ظلمة المعاصي عن قلبه - سواء في ذلك الشّرك وما دونه - توبة منه تعالى لعبده ، وأنّ رجوع العبد إلى ربّه لمغفرة ذنوبه وإزالة معاصيه - سواء في ذلك الشّرك وغيره - توبة منه إلى ربّه .
ويتبيّن به أنّ من الواجب في الدّعوة الحقّة أن تعتني بأمر المعاصي كما تعتني بأصل الشّرك ، وتندب إلى مطلق التّوبة الشّامل للتّوبة عن الشّرك والتّوبة عن المعاصي .
وثانيا : أنّ التّوبة من اللّه سبحانه لعبده أعمّ من المبتدئة واللّاحقة فضل منه ، كسائر النّعم الّتي يتنعّم بها خلقه من غير إلزام وإيجاب يرد عليه تعالى من غيره ، وليس معنى وجوب قبول التّوبة عليه تعالى عقلا إلّا ما يدلّ عليه أمثال قوله تعالى :
وَقابِلِ التَّوْبِ
المؤمن :
3 ، وقوله :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
النّور : 31 ، وقوله :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ
الآية ، « البقرة : 222 ، وقوله :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
الآية ، من الآيات المتضمّنة لتوصيفه تعالى بقبول التّوبة ، والنّادبة إلى التّوبة ، الدّاعية إلى الاستغفار والإنابة ، وغيرها المشتملة على وعد القبول بالمطابقة أو الالتزام ، واللّه سبحانه لا يخلف الميعاد .
ومن هنا يظهر أنّ اللّه سبحانه غير مجبور في قبول التّوبة ، بل له الملك من غير استثناء ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فله أن يقبل ما يقبل من التّوبة على ما وعد ، ويردّ ما يردّ منها ، كما هو ظاهر قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
آل عمران : 90 ، ويمكن أن يكون من هذا الباب قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا
النّساء : 137 .
ومن عجيب ما قيل في هذا الباب قول بعضهم في قوله تعالى في قصّة غرق فرعون وتوبته :
. . . حَتَّى إِذا