تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
الدّعوة عليه وتعلّق الهداية به ، فوجده بالنّظر إلى الكمال والكرامة والسّعادة الواجبة له في حياته الأخرويّة - عند اللّه سبحانه الّتي لا غنى له عنها في سيره الاختياريّ إلى ربّه - فقيرا كلّ الفقر في ذاته ، صفر الكفّ بحسب نفسه ، قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ
فاطر : 15 ، وقال :
وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً
الفرقان : 3 . فهو واقع في مهبط الشّقاء ومنحطّ البعد ومنعزل المسكنة ، كما يشير إليه قوله تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
التّين : 4 ، 5 ، وقوله :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
مريم : 71 ، 72 ، وقوله :
فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى
طه : 117 . وإذا كان كذلك فوروده منزلة الكرامة واستقراره في مستقرّ السّعادة ، يتوقّف على انصرافه عمّا هو فيه من مهبط الشّقاء ومنحطّ البعد ، وانقلاعه عنه برجوعه إلى ربّه ، وهو توبته إليه في أصل السّعادة وهو الإيمان ، وفي كلّ سعادة فرعيّة وهي كلّ عمل صالح ، أعني التّوبة والرّجوع عن أصل الشّقاء وهو الشّرك باللّه سبحانه ، وعن فروعات الشّقاء وهي سيّئات الأعمال بعد الشّرك . فالتّوبة بمعنى الرّجوع إلى اللّه والانخلاع عن ألواث البعد والشّقاء يتوقّف عليها الاستقرار في دار الكرامة بالإيمان ، والتّنعّم بأقسام نعم الطّاعات والقربات . وبعبارة أخرى يتوقّف القرب من اللّه ودار كرامته على التّوبة من الشّرك ومن كلّ معصية ، قال تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
النّور : 31 ، فالتّوبة بمعنى الرّجوع إلى اللّه تعمّ التّوبتين جميعا بل تعمّهما ، وغيرهما ، على ما سيجيء إن شاء اللّه . ثمّ إنّ الإنسان لمّا كان فقيرا في نفسه لا يملك لنفسه خيرا ولا سعادة قطّ إلّا بربّه ، كان محتاجا في هذا الرّجوع أيضا إلى عناية من ربّه بأمره ، وإعانة منه له في شأنه ، فيحتاج رجوعه إلى ربّه بالعبوديّة والمسكنة إلى رجوع من ربّه إليه بالتّوفيق والإعانة ، وهو توبة اللّه سبحانه لعبده المتقدّمة على توبة العبد إلى ربّه ، كما قال تعالى :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا
التّوبة : 118 ، وكذلك الرّجوع إلى اللّه سبحانه يحتاج إلى قبوله بمغفرة الذّنوب وتطهيره من القذارات وألواث البعد ، وهذه هي التّوبة الثّانية من اللّه سبحانه المتأخّرة عن توبة العبد إلى ربّه ، كما قال تعالى :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .
وإذا تأمّلت حقّ التّأمّل وجدت أنّ التّعدّد في توبة اللّه سبحانه إنّما عرض لها من حيث قياسها إلى توبة العبد ، وإلّا فهي توبة واحدة هي رجوع اللّه سبحانه إلى عبده بالرّحمة ، ويكون ذلك عند توبة العبد رجوعا إليه قبلها وبعدها ، وربّما كان مع عدم توبة من العبد ، كما تقدّم استفادة ذلك من قوله :
وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ
وأنّ قبول الشّفاعة في حقّ العبد المذنب يوم القيامة من مصاديق التّوبة ، ومن هذا الباب قوله تعالى :
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً
النّساء : 27 .