حتّى كأنّه من الواجبات ، كما يقال : واجب الوجود .
وقيل : ( على ) بمعنى « من » ، وقيل : هي بمعنى « عند » ، وعليه الطّبرسيّ أي إنّما التّوبة عند اللّه ،
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ
أي المعصية ، صغيرة كانت أو كبيرة .
( 4 : 238 )
رشيد رضا : الأستاذ الإمام : ذكر في الآية السّابقة « التّوبة » وبيّن في هذه الآية حكمها وحالها ترغيبا فيها وتنفيرا عن المعصية ، بما شدّد في شرط قبولها . وفيه إرشاد لأولياء الأمر إلى الطّريق الّذي يسلكونه مع العصاة في معاقبتهم وتأديبهم ، فإنّه فرض في الآية السّابقة معاقبة أهل الفواحش ، وأمر بالإعراض عمّن تاب بشرط إصلاح العمل . وكأنّ هذه الآية شرح لذلك الإصلاح ، أي إن تابوا مثل هذه التّوبة ، فأعرضوا عنهم وكفّوا عن عقابهم .
ويذكرون هاهنا مسألة الخلاف بين المعتزلة وأهل السّنّة في وجوب الصّلاح عليه تعالى ، والقول الفصل في ذلك : أنّ قبول هذه التّوبة على اللّه تعالى ليس بإيجاب موجب له سلطة ، يوجب بها على اللّه ، تعالى اللّه عن ذلك ، وإنّما ذلك من جملة الكمال الّذي أوجبه تعالى على نفسه بمشيئته واختياره .
وهذه العبارة وأمثالها ممّا ظاهره وجوب بعض الأشياء على اللّه ، قد جاءت على طريق العرب في التّخاطب ، ولا يفهم منها إلّا أنّ ذلك واقع ماله من دافع ، ولكن بإيجاب اللّه تعالى له ، ولا يمكن أن يظنّ عاقل أنّ قانونا يحكم على الألوهيّة ؛ فجعل الخلاف في هذه المسألة لفظيّا ظاهر لا تكلّف فيه . ( 4 : 442 )
الطّباطبائيّ : مضمون الآيتين لا يخلو عن ارتباط بما تقدّمهما من الآيتين ، فإنّهما قد اختتمتا بذكر « التّوبة » فمن الممكن أن يكون هاتان نزلتا مع تينك ، وهاتان الآيتان مع ذلك متضمّنتان لمعنى مستقلّ في نفسه ، وهو إحدى الحقائق العالية الإسلاميّة والتّعاليم الرّاقية القرآنيّة ، وهي حقيقة التّوبة وشأنها وحكمها .
قوله تعالى :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
التّوبة هي الرّجوع ، وهي رجوع من العبد إلى اللّه سبحانه بالنّدامة ، والانصراف عن الإعراض عن العبوديّة ، ورجوع من اللّه إلى العبد رحمة بتوفيقه للرّجوع إلى ربّه أو بغفران ذنبه ، وقد مرّ مرارا أنّ توبة واحدة من العبد محفوفة بتوبتين من اللّه سبحانه ، على ما يفيده القرآن الكريم .
وذلك أنّ التّوبة من العبد حسنة تحتاج إلى قوّة والحسنات من اللّه ، والقوّة للّه جميعا فمن اللّه توفيق الأسباب حتّى يتمكّن العبد من التّوبة ، ويتمشّى له الانصراف عن التّوغّل في غمرات البعد والرّجوع إلى ربّه ، ثمّ إذا وفّق للتّوبة والرّجوع احتاج في التّطهّر من هذه الألواث ، وزوال هذه القذارات ، والورود والاستقرار في ساحة القرب إلى رجوع آخر من ربّه إليه ، بالرّحمة والحنان والعفو والمغفرة .
وهذان الرّجوعان من اللّه سبحانه هما التّوبتان الحافّتان لتوبة العبد ورجوعه ، قال تعالى :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا
التّوبة : 118 ، وهذه هي التّوبة الأولى ، وقال تعالى :
فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ
البقرة : 160 ، وهذه التّوبة الثّانية ، وبين التّوبتين منه تعالى توبة العبد ،