الذّنب سفه وتجاهل ، ولذلك قيل : من عصى اللّه فهو جاهل حتّى ينزع عن جهالته
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
من زمان قريب ، أي قبل حضور الموت ، لقوله تعالى :
حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
وقوله عليه الصّلاة والسّلام : « إنّ اللّه يقبل توبة عبده ما لم يغرغر » .
وسمّاه قريبا ، لأنّ أمد الحياة قريب ، لقوله تعالى :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
النّساء : 77 ، أو قبل أن يشرب في قلوبهم حبّه فيطبع عليها ، فيتعذّر عليهم الرّجوع . [ ثمّ ذكر نحو ما تقدّم عن الزّمخشريّ وأضاف : ]
وقيل : المراد بالّذين يعملون السّوء ، عصاة المؤمنين وبالّذين يعملون السّيئات ، المنافقون ، لتضاعف كفرهم وسوء أعمالهم ، وب
الَّذِينَ يَمُوتُونَ
الكفّار . ( 2091 )
أبو حيّان : وقوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ
هو على حذف مضاف من المبتدأ والخبر ، والتّقدير : إنّما قبول التّوبة مترّتّب على فضل اللّه ، فتكون ( على ) باقية على بابها .
وقال الزّمخشريّ : يعني إنّما القبول والغفران واجب على اللّه تعالى لهؤلاء ، انتهى .
وهذا الّذي قاله هو على طريق المعتزلة ، والّذي نعتقده أنّ اللّه لا يجب عليه تعالى من جهة العقل . فأمّا ما ظاهره الوجوب من جهة السّمع على نفسه كتخليد الكفّار وقبول الإيمان من الكافر بشرطه ، فذلك واقع قطعا . وأمّا قبول التّوبة فلا يجب على اللّه عقلا . وأمّا من جهة السّمع فتظافرت ظواهر الآي والسّنّة على قبول اللّه التّوبة ، وأفادت القطع بذلك .
وقد ذهب أبو المعالي الجوينيّ وغيره إلى أنّ هذه الظّواهر إنّما تفيد غلبة الظّنّ لا القطع بقبول التّوبة ، والتّوبة فرض بإجماع الأمّة ، وتصحّ وإن نقضها في ثاني حال بمعاودة الذّنب ، ومن ذنب وإن أقام على ذنب غيره ، خلافا للمعتزلة ومن نحا نحوهم ممّن ينتمي إلى السّنّة ، إذ ذهبوا إلى أنّه لا يكون تائبا من أقام على ذنب . وقيل :
( على ) بمعنى عند ، وقال الحسن : بمعنى « من » . [ إلى أن قال : ]
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
لمّا ذكر تعالى أنّ قبول التّوبة على اللّه لمن ذكر ، ذكر أنّه تعالى هو يتعطّف عليهم ويرحمهم ، ولذلك اختلف متعلّقا التّوبة باختلاف المجرور ، لأنّ الأوّل على اللّه ، والثّاني عليهم ، ففسّر كلّ بما يناسبه ولمّا ضمّن ( يتوب ) معنى ما يعدّى ب « على » عدّاه ب ( على ) كأنّه قال : يعطف عليهم . وفي ( على ) الأولى روعي فيها المضاف المحذوف وهو قبول . [ ثمّ ذكر قول الزّمخشريّ وأضاف : ]
وهو مشير إلى طريق الاعتزال في قولهم : إنّ اللّه يجب عليه ، وتقدّم ذكر مذهبهم في ذلك .
وقال محمّد بن عمر الرّازيّ ما ملخّصه : أنّ قوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ
إعلام بأنّه يجب قبولها لزوم إحسان لا استحقاق ، « ويتوب عليهم » إخبار بأنّه سيفعل ذلك . أو يكون الأولى بمعنى الهداية إلى التّوبة والإرشاد ، ( ويتوب عليهم ) بمعنى يقبل توبتهم .
( 3 : 197 )
الآلوسيّ : أي إنّ قبول التّوبة ، و ( على ) وإن استعملت للوجوب حتّى استدلّ بذلك الواجبة عليه ، فالمراد أنّه لازم متحقّق الثّبوت ألبتّة ، بحكم سبق الوعد ،