عاقل .
فأمّا الجواب عمّا احتجّوا به ، فهو أنّه تعالى وعد قبول التّوبة من المؤمنين ، فإذا وعد اللّه بشيء وكان الخلف في وعده محالا كان ذلك شبيها بالواجب . فبهذا التّأويل صحّ إطلاق كلمة ( على ) وبهذا الطّريق ظهر الفرق بين قوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ
وبين قوله :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .
إن قيل : فلمّا أخبر عن قبول التّوبة وكلّ ما أخبر اللّه عن وقوعه كان واجب الوقوع ، فيلزمكم أن لا يكون فاعلا مختارا .
قلنا : الإخبار عن الوقوع تبع للوقوع ، والوقوع تبع للإيقاع ، والتّبع لا يغيّر الأصل ، فكان فاعلا مختارا في ذلك الإيقاع . أمّا أنتم تقولون : بأنّ وقوع التّوبة من حيث أنّها هي تؤثّر في وجوب القبول على اللّه تعالى ، وذلك لا يقوله عاقل ، فظهر الفرق .
المسألة الثّانية : أنّه تعالى شرط قبول هذه التّوبة بشرطين :
أحدهما قوله :
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ
وفيه سؤالان :
أحدهما : أنّ من عمل ذنبا ولم يعلم أنّه ذنب لم يستحقّ عقابا ، لأنّ الخطأ مرفوع عن هذه الأمّة ، فعلى هذا : الّذين يعملون السّوء بجهالة فلا حاجة بهم إلى التّوبة .
والسّؤال الثّاني : أنّ كلمة ( انّما ) للحصر ، فظاهر هذه الآية يقتضي أنّ من أقدم على السّوء مع العلم بكونه سوء أن لا تكون توبته مقبولة ، وذلك بالإجماع باطل .
والجواب عن السّؤال الأوّل : أنّ اليهوديّ اختار اليهوديّة ، وهو لا يعلم كونها ذنبا مع أنّه يستحقّ العقاب عليها .
والجواب عن السّؤال الثّاني : أنّ من أتى بالمعصية مع الجهل بكونها معصية ، يكون حاله أخفّ ممّن أتى بها مع العلم بكونها معصية ، وإذا كان كذلك لا جرم خصّ القسم الأوّل بوجوب قبول التّوبة وجوبا على سبيل الوعد والكرم . وأمّا القسم الثّاني فلمّا كان ذنبهم أغلظ لا جرم لم يذكر فيهم هذا التّأكيد في قبول التّوبة ، فتكون هذه الآية دالّة من هذا الوجه على أنّ قبول التّوبة غير واجب على اللّه تعالى . [ ثمّ ذكر معنى الجهالة إلى أن قال : ]
وأمّا الشّرط الثّاني فهو قوله :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
وقد أجمعوا على أنّ المراد من هذا القرب حضور زمان الموت ومعاينة أهواله ، وإنّما سمّى تعالى هذه المدّة قريبة لوجوه :
أحدها : أنّ الأجل آت وكلّ ما هو آت قريب .
وثانيها : للتّنبيه على أنّ مدّة عمر الإنسان وإن طالت فهي قليلة قريبة ، فإنّها محفوفة بطرفي الأزل والأبد ، فإذا قسّمت مدّة عمرك إلى ما على طرفيها صار كالعدم .
وثالثها : أنّ الإنسان يتوقّع في كلّ لحظة نزول الموت به ، وما هذا حاله فإنّه يوصف بالقرب .
فإن قيل : ما معنى ( من ) في قوله : ( من قريب ) ؟
الجواب : أنّه لابتداء الغاية ، أي يجعل مبتدأ توبته زمانا قريبا من المعصية ، لئلّا يقع في زمرة المصرّين ، فأمّا من تاب بعد المعصية بزمان بعيد وقبل الموت بزمان بعيد ،