تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
الرّابع : قوله تعالى :
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها
المؤمنون : 99 ، 100 . الخامس : قوله تعالى :
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها
المنافقون : 10 ، 11 ، فأخبر تعالى في هذه الآيات أنّ التّوبة لا تقبل عند حضور الموت . السّادس : روى أبو أيّوب عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ اللّه تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ، أي ما لم تتردّد الرّوح في حلقه ، وعن عطاء : ولو قبل موته بفواق النّاقة . وعن الحسن : إنّ إبليس قال حين أهبط إلى الأرض : وعزّتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده ، فقال : وعزّتي لا أغلق عليه باب التّوبة ما لم يغرغر . واعلم أنّ قوله :
حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
أي علامات نزول الموت وقربه ، وهو كقوله تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
البقرة : 180 . البحث الثّاني : قال المحقّقون : قرب الموت لا يمنع من قبول التّوبة ، بل المانع من قبول التّوبة مشاهدة الأحوال الّتي عندها يحصل العلم باللّه تعالى على سبيل الاضطرار . وإنّما قلنا : إنّ نفس القرب من الموت لا يمنع من قبول التّوبة لوجوه : الاوّل : أنّ جماعة أماتهم اللّه تعالى ثمّ أحياهم مثل قوم من بني إسرائيل ، ومثل أولاد أيّوب عليه السّلام ، ثمّ إنّه تعالى كلّفهم بعد ذلك الإحياء ، فدلّ هذا على أنّ مشاهدة الموت لا تخلّ بالتّكليف . الثّاني : أنّ الشّدائد الّتي يلقاها من يقرب موته تكون مثل الشّدائد الحاصلة عند القولنج ، ومثل الشّدائد الّتي تلقاها المرأة عند الطّلق أو أزيد منها ، فإذا لم تكن هذه الشّدائد مانعة من بقاء التّكليف فكذا القول في تلك الشّدائد . الثّالث : أنّ عند القرب من الموت إذا عظمت الآلام صار اضطرار العبد أشدّ ، وهو تعالى يقول :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ
النّمل : 62 ، فتزايد الآلام في ذلك الوقت بأن يكون سببا لقبول التّوبة أولى من أن يكون سببا لعدم قبول التّوبة ؛ فثبت بهذه الوجوه أنّ نفس القرب من الموت ونفس تزايد الآلام والمشاقّ ، لا يجوز أن يكون مانعا من قبول التّوبة . ونقول : المانع من قبول التّوبة أنّ الإنسان عند القرب من الموت إذا شاهد أحوالا وأهوالا صارت معرفته باللّه ضروريّة عند مشاهدته تلك الأهوال . ومتى صارت معرفته باللّه ضروريّة سقط التّكليف عنه ، ألا ترى أنّ أهل الآخرة لمّا صارت معارفهم ضروريّة سقط التّكليف عنهم ، وإن لم يكن هناك موت ولا عقاب ، لانّ توبتهم عند الحشر والحساب وقبل دخول النّار ، لا تكون مقبولة . واعلم أنّ هاهنا بحثا عميقا أصوليّا ؛ وذلك لأنّ أهل القيامة لا يشاهدون إلّا أنّهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتا ، ويشاهدون أيضا النّار العظيمة وأصناف الأهوال ، وكلّ ذلك لا يوجب أن يصير العلم باللّه ضروريّا ، لأنّ العلم بأنّ حصول الحياة بعد أن كانت