أن يكون تائبا ، من لم يتب إلّا مع حضور الموت .
فالعقيدة عندي في هذه الآيات : أنّ من تاب من قريب فله حكم التّائب ، فيغلب الظّنّ عليه أنّه ينعم ولا يعذّب ، وهذا مذهب أبي المعالي وغيره . وقال غيرهم : بل هو مغفور له قطعا ، لإخبار اللّه تعالى بذلك ، وأبو المعالي يجعل تلك الأخبار ظواهر مشروطة بالمشيئة .
ومن لم يتب حتّى حضره الموت فليس في حكم التّائبين ، فإن كان كافرا فهو يخلّد ، وإن كان مؤمنا فهو عاص في المشيئة ، لكن يغلب الخوف عليه ، ويقوى الظّنّ في تعذيبه ، ويقطع من جهة السّمع أنّ من هذه الصّنيفة من يغفر اللّه له تعالى تفضّلا منه ولا يعذّبه .
وأعلم اللّه تعالى أيضا أنّ
الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ،
فلا مستعتب لهم ولا توبة في الآخرة . ( 2 : 23 )
الطّبرسيّ : لمّا وصف تعالى نفسه بالتّوّاب الرّحيم ، بيّن عقيبه شرائط التّوبة ، فقال : ( انّما التّوبة ) ، ولفظة ( انّما ) يتضمّن النّفي والإثبات ، فمعناه لا توبة مقبولة ( على اللّه ) أي عند اللّه إلّا
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ .
[ ثمّ ذكر معنى الجهالة وقال : ]
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ
التّوبة المقبولة الّتي ينتفع بها صاحبها ،
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
أي المعاصي ويصرّون عليها ويسوّفون التّوبة ،
حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
أي أسباب الموت من معاينة ملك الموت وانقطع الرّجاء عن الحياة ، وهو حال اليأس الّتي لا يعلمها أحد غير المحتضر ، قال :
إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
أي فليس عند ذلك اليأس التّوبة .
وأجمع أهل التّأويل على أنّ هذه قد تناولت عصاة أهل الإسلام إلّا ما روي عن الرّبيع أنّه قال : إنّها في المنافقين . وهذا لا يصحّ لأنّ المنافقين من جملة الكفّار ، وقد بيّن الكفّار بقوله :
وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ
ومعناه وليست التّوبة أيضا للّذين يموتون على الكفر ثمّ يندمون بعد الموت . ( 2 : 22 )
العكبريّ :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ
مبتدأ ، وفي الخبر وجهان :
أحدهما : هو ( على اللّه ) أي ثابتة على اللّه ، فعلى هذا يكون
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ
حالا من الضّمير في الظّرف ، وهو قوله : ( على اللّه ) والعامل فيها الظّرف أو الاستقرار ، أي كائنة ( للّذين ) . ولا يجوز أن يكون العامل في الحال التّوبة : 136 ، لأنّه قد فصل بينهما بالجارّ .
والوجه الثّاني : أن يكون الخبر
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
وأمّا ( على اللّه ) فيكون حالا من شيء محذوف ، تقديره :
إنّما التّوبة إذ كانت على اللّه ، أو إذا كانت على اللّه ، ف « إذ أو إذا » ظرفان ، العامل فيهما « الّذين يعملون السّوء » ، لأنّ الظّرف يعمل فيه المعنى وإن تقدّم عليه . و ( كان ) التّامّة ، وصاحب الحال ضمير الفاعل في ( كان ) .
ولا يجوز أن يكون ( على اللّه ) حالا يعمل فيها ( الّذين ) لأنّه عامل معنويّ ، والحال لا يتقدّم على المعنويّ ، ونظير هذه المسألة قولهم : هذا بسرا أطيب منه رطبا . ( 1 : 339 )
الفخر الرّازيّ : اعلم أنّه تعالى لمّا ذكر في الآية الأولى أنّ المرتكبين للفاحشة إذا تابا وأصلحا زال الأذى عنهما ، وأخبر على الإطلاق أيضا أنّه توّاب رحيم ، ذكر وقت التّوبة وشرطها ، ورغّبهم في تعجيلها