فإنّه يكون خارجا عن المخصوصين بكرامة حتم قبول التّوبة على اللّه ، بقوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ ،
وبقوله :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .
ومن لم تقع توبته على هذا الوجه ، فإنّه يكفيه أن يكون من جملة الموعودين بكلمة ( عسى ) في قوله :
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ،
ولا شكّ أنّ بين الدّرجتين من التّفاوت ما لا يخفى .
وقيل : معناه التّبعيض ، أي يتوبون بعض زمان قريب ، كأنّه تعالى سمّى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمانا قريبا ، ففي أيّ جزء من أجزاء هذا الزّمان أتى بالتّوبة فهو تائب من قريب ، وإلّا فهو تائب من بعيد .
واعلم أنّه تعالى لمّا ذكر هذين الشّرطين قال :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ،
فإن قيل : فما فائدة قوله :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
بعد قوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ ؟
قلنا : فيه وجهان :
الأوّل : أنّ قوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ
إعلام بأنّه يجب على اللّه قبولها ، وجوب الكرم والفضل والإحسان ، لا وجوب الاستحقاق ، وقوله :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
إخبار بأنّه سيفعل ذلك .
والثّاني : أنّ قوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ
يعني إنّما الهداية إلى التّوبة والإرشاد إليها والإعانة عليها على اللّه تعالى في حقّ من أتى بالذّنب على سبيل الجهالة ، ثمّ تاب عنها عن قريب وترك الإصرار عليها وأتى بالاستغفار عنها . ثمّ قال :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
يعني أنّ العبد الّذي هذا شأنه إذا أتى بالتّوبة قبلها اللّه منه ، فالمراد بالأوّل : التّوفيق على التّوبة ، وبالثّاني : قبول التّوبة .
ثمّ قال :
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
أي وكان اللّه عليما بأنّه إنّما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشّهوة والغضب والجهالة عليه . حكيما بأنّ العبد لمّا كان من صفته ذلك ، ثمّ إنّه تاب عنها من قريب ، فإنّه يجب في الكرم قبول توبته .
قوله تعالى :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً .
اعلم أنّه تعالى لمّا ذكر شرائط التّوبة المقبولة أردفها بشرح التّوبة الّتي لا تكون مقبولة ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : الآية دالّة على أنّ من حضره الموت وشاهد أهواله فإن توبته غير مقبولة ، وهذه المسألة مشتملة على بحثين :
البحث الأوّل : الّذي يدلّ على أنّ توبة من وصفنا حاله غير مقبولة وجوه :
الأوّل : هذه الآية وهي صريحة في المطلوب .
الثّاني : قوله تعالى :
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا
المؤمن : 85 .
الثّالث : قال في صفة فرعون :
حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
يونس : 90 ، 91 ، فلم يقبل اللّه توبته عند مشاهدة العذاب ، ولو أنّه أتى بذلك الإيمان قبل تلك السّاعة بلحظة لكان مقبولا .