لئلّا يأتيهم الموت وهم مصرّون فلا تنفعهم التّوبة ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : أمّا حقيقة التّوبة فقد ذكرناها في سورة البقرة : 37 ، في تفسير قوله تعالى :
فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ،
واحتجّ القاضي على أنّه يجب على اللّه عقلا قبول التّوبة بهذه الآية من وجهين :
الأوّل : أنّ كلمة ( على ) للوجوب ، فقوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ
يدلّ على أنّه يجب على اللّه عقلا قبولها .
الثّاني : لو حملنا قوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ
على مجرّد القبول لم يبق بينه وبين قوله :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
فرق ، لأنّ هذا أيضا إخبار عن الوقوع ، أمّا إذا حملنا ذلك على وجوب القبول وهذا على الوقوع ، يظهر الفرق بين الآيتين ، ولا يلزم التّكرار .
واعلم أنّ القول بالوجوب على اللّه باطل ، ويدلّ عليه وجوه :
الأوّل : أنّ لازمة الوجوب استحقاق الذّمّ عند التّرك . فهذه اللّازمة إمّا أن تكون ممتنعة الثّبوت في حقّ اللّه تعالى ، أو غير ممتنعة في حقّه ، والأوّل باطل لأنّ ترك ذلك الواجب لمّا كان مستلزما لهذا الذّمّ ، وهذا الذّمّ محال الثّبوت في حقّ اللّه تعالى ، وجب أن يكون ذلك التّرك ممتنع الثّبوت في حقّ اللّه ، وإذا كان التّرك ممتنع الثّبوت عقلا كان الفعل واجب الثّبوت ، فحينئذ يكون اللّه تعالى موجبا بالذّات لا فاعلا بالاختيار ، وذلك باطل .
وأمّا إن كان استحقاق الذّمّ غير ممتنع الحصول في حقّ اللّه تعالى ، فكلّ ما كان ممكنا لا يلزم من فرض وقوعه محال ، فيلزم جواز أن يكون الإله مع كونه إلها يكون موصوفا باستحقاق الذّمّ ، وذلك محال لا يقوله عاقل ، ولمّا بطل هذان القسمان ثبت أنّ القول بالوجوب على اللّه تعالى باطل .
الحجّة الثّانية : أنّ قادريّة العبد بالنّسبة إلى فعل التّوبة وتركها إمّا أن يكون على السّويّة ، أو لا يكون على السّويّة ، فإن كان على السّويّة لم يترجّح فعل التّوبة على تركها إلّا لمرجّح ، ثمّ ذلك المرجّح إن حدث لاعن محدث لزم نفي الصّانع ، وإن حدث عن العبد عاد التّقسيم ، وإن حدث عن اللّه فحينئذ العبد إنّما أقدم على التّوبة بمعونة اللّه وتقويته ، فتكون تلك التّوبة إنعاما من اللّه تعالى على عبده ، وإنعام المولى على عبده لا يوجب عليه أن ينعم عليه مرّة أخرى ؛ فثبت أنّ صدور التّوبة عن العبد لا يوجب على اللّه القبول ، وأمّا إن كانت قادريّة العبد لا تصلح للتّرك والفعل فحينئذ يكون الجبر ألزم ، وإذا كان كذلك كان القول بالوجوب أظهر بطلانا وفسادا .
الحجّة الثّالثة : التّوبة عبارة عن النّدم على ما مضى والعزم على التّرك في المستقبل ، والنّدم والعزم من باب الكراهات والإرادات والكراهة والإرادة لا يحصلان باختيار العبد ، وإلّا افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم التّسلسل . وإذا كان كذلك كان حصول هذا النّدم وهذا العزم بمحض تخليق اللّه تعالى ، وفعل اللّه لا يوجب على اللّه فعلا آخر ؛ فثبت أنّ القول بالوجوب باطل .
الحجّة الرّابعة : أنّ التّوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم ، فلو صار ذلك علّة للوجوب على اللّه لصار فعل العبد مؤثّرا في ذات اللّه وفي صفاته ، وذلك لا يقوله