تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
وجوب تلك الأشياء سمعا ، فمن ذلك تخليد الكفّار في النّار ، ومن ذلك قبول إيمان الكافر ، والتّوبة لا يجب قبولها على اللّه تعالى عقلا ، فأمّا السّمع فظاهره قبول توبة التّائب . قال أبو المعالي وغيره : فهذه الظّواهر إنّما تعطي غلبة ظنّ لا قطعا على اللّه بقبول التّوبة . وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى ، فإذا فرضنا رجلا قد تاب توبة نصوحا تامّة الشّروط ، فقول أبي المعالي يغلب على الظنّ قبول توبته ، وقال غيره : يقطع على اللّه تعالى بقبول توبته ، كما أخبر عن نفسه عزّ وجلّ . وكان أبي رحمة اللّه عليه يميل إلى هذا القول ويرجّحه ، وبه أقول ، واللّه تعالى أرحم بعباده من أن ينخرم في هذا التّائب المفروض معنى قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ
الشّورى : 25 ، وقوله :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ
طه : 82 . [ ثمّ ذكر معنى الجهالة وقال : ] فابن عبّاس رضي اللّه عنه ذكر أحسن أوقات التّوبة ، والجمهور حدّدوا آخر وقتها ، وقال إبراهيم النّخعي : كان يقال : التّوبة مبسوطة لأحدكم ما لم يؤخذ بكظمه ، وروى بشير بن كعب والحسن أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ اللّه تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ويغلب على عقله » . لأنّ الرّجاء فيه باق ويصحّ منه النّدم والعزم على ترك الفعل في المستأنف ، فإذا غلب تعذّرت التّوبة ، لعدم النّدم والعزم على التّرك . وقوله تعالى : ( من قريب ) إنّما معناه : من قريب إلى وقت الذّنب ، ومدّة الحياة كلّها قريب ، والمبادر في الصّحّة أفضل ، وألحق لأمله من العمل الصّالح ، والبعد كلّ البعد الموت . وقوله تعالى :
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً *
أي بمن يتوب وييسّره هو للتّوبة حكيما فيما ينفذه من ذلك ، وفي تأخير من يؤخّر حتّى يهلك . ثمّ نفى بقوله تعالى :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ
أن يدخل في حكم التّائبين من حضره موته وصار في حيّز اليأس ، وحضور الموت هو غاية قربه ، كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق ، فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان ، وبهذا قال ابن عبّاس وابن زيد وجماعة المفسّرين ، وقال الرّبيع : الآية الأولى قوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ
هي في المؤمنين ، والآية الثّانية قوله :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ
الآية ، نزلت في المسلمين ثمّ نسخت بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ *
النّساء : 48 ، 116 ، فحتّم أن لا يغفر للكافر ، وأرجأ المؤمنين إلى مشيئته لم ييئسهم من المغفرة . وطعن بعض النّاس في هذا القول بأنّ الآية خبر ، والأخبار لا تنسخ . وهذا غير لازم ، لأنّ الآية لفظها الخبر ، ومعناه تقرير حكم شرعيّ فهي نحو قوله تعالى :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
البقرة : 284 ، ونحو قوله تعالى :
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
الأنفال : 65 ، وإنّما يضعف القول بالنّسخ من حيث تنبني الآيتان ولا يحتاج إلى تقرير نسخ ، لأنّ هذه الآية لم تنف أن يغفر للعاصي الّذي لم يتب من قريب ، فنحتاج أن نقول : إنّ قوله :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ
النّساء : 48 ، نسخها وإنّما نفت هذه الآية