معدومة يحتاج إلى الفاعل علم نظريّ عند أكثر شيوخ المعتزلة ، وبتقدير أن يقال : هذا العلم ضروريّ لكنّ العلم بأنّ الإحياء لا يصحّ من غير اللّه لا شكّ أنّه نظريّ ، وأمّا العلم بأنّ فاعل تلك النّيران العظيمة ليس إلّا اللّه ، فهذا أيضا استدلاليّ .
فكيف يمكن ادّعاء أنّ أهل الآخرة لأجل مشاهدة أهوالها يعرفون اللّه بالضّرورة ، ثمّ هب أنّ الأمر كذلك ، فلم قلتم : بأنّ العلم باللّه إذا كان ضروريّا منع من صحّة التّكليف ، وذلك أنّ العبد مع علمه الضّروريّ بوجود الإله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنّه كريم ، وأنّه لا ينفعه طاعة العبد ولا يضرّه ذنبه . وإذا كان الأمر كذلك ، فلم قالوا : بأنّ هذا يوجب زوال التّكليف ؟
وأيضا فهذا الّذي يقوله هؤلاء المعتزلة : من أنّ العلم باللّه في دار التّكليف يجب أن يكون نظريّا ، فإذا صار ضروريّا سقط التّكليف . كلام ضعيف ، لأنّ من حصل في قلبه العلم باللّه إن كان تجويز نقيضه قائما في قلبه ، فهذا يكون ظنّا لا علما ، وإن لم يكن تجويز نقيضه قائما ، امتنع أن يكون علم آخر أقوى منه وآكد منه .
وعلى هذا التّقدير لا يبقى ألبتّة فرق بين العلم الضّروريّ وبين العلم النّظريّ ؛ فثبت أنّ هذه الأشياء الّتي تذكرها المعتزلة كلمات ضعيفة واهية ، وأنّه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فهو بفضله وعد بقبول التّوبة في بعض الأوقات ، وبعد له أخبر عن عدم قبول التّوبة في وقت آخر ، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردودا ، والمردود مقبولا
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
الأنبياء : 23 .
المسألة الثّانية : أنّه تعالى ذكر قسمين : فقال في القسم الأوّل :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ
وهذا مشعر بأنّ قبول توبتهم واجب ، وقال في القسم الثّاني :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
فهذا جزم بأنّه تعالى لا يقبل توبة هؤلاء ، فبقي بحكم التّقسيم العقليّ فيما بين هذين القسمين قسم ثالث ، وهم الّذين لم يجزم اللّه تعالى بقبول توبتهم ، ولم يجزم بردّ توبتهم . فلمّا كان القسم الأوّل : هم الّذين يعملون السّوء بجهالة ، والقسم الثّاني : هم الّذين لا يتوبون إلّا عند مشاهدة البأس ، وجب أن يكون القسم المتوسّط بين هذين القسمين : هم الّذين يعملون السّوء على سبيل العمد ، ثمّ يتوبون ، فهؤلاء ما أخبر اللّه عنهم أنّه يقبل توبتهم ، وما أخبر عنهم أنّه يردّ توبتهم ، بل تركهم في المشيئة ، كما أنّه تعالى ترك مغفرتهم في المشيئة ؛ حيث قال :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ *
النّساء : 48 ، 116 .
المسألة الثّالثة : أنّه تعالى لمّا بيّن أنّ من تاب عند حضور علامات الموت ومقدّماته لا تقبل توبته قال :
وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ ،
وفيه وجهان :
الأوّل : معناه الّذين قرب موتهم ، والمعنى أنّه كما أنّ التّوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت ، كذلك الإيمان لا يقبل عند القرب من الموت .
الثّاني : المراد أنّ الكفّار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم .
المسألة الرّابعة : تعلّقت الوعيديّة بهذه الآية على صحّة مذهبهم من وجهين :