فإن قلت : ما فائدة قوله :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
بعد قوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ
لهم ؟
قلت : قوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ
إعلام بوجوبها عليه ، كما يجب على العبد بعض الطّاعات ، وقوله :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
عدة بأنّه يفي بما وجب عليه ، وإعلام بأنّ الغفران كائن لا محالة ، كما يعد العبد الوفاء بالواجب ،
وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ
عطف على
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
سوّى بين الّذين سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت وبين الّذين ماتوا على الكفر في أنّه لا توبة لهم لأنّ حضرة الموت أوّل أحوال الآخرة ، فكما أنّ المائت على الكفر قد فاتته التّوبة على اليقين ، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت ، لمجاوزة كلّ واحد منهما أوان التّكليف والاختيار . ( 1 : 512 )
نحوه القرطبيّ ( 5 : 90 ) ، والشّربينيّ ( 1 : 281 ) ، والنّسفيّ ( 1 : 214 ) .
ابن عطيّة : ( انّما ) حاصرة ، وهو مقصد المتكلّم بها أبدا ، فقد تصادف من المعنى ما يقتضي العقل فيه الحصر ، كقوله تعالى :
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ
النّساء :
171 ، وقد تصادف من المعنى ما لا يقتضي العقل فيه الحصر ، كقوله : إنّما الشّجاع عنترة ، فيبقى الحصر في مقصد المادح ، ويتحصّل من ذلك لكلّ سامع تحقيق هذه الصّفة للموصوف بمبالغة . وهذه الآية ممّا يوجب النّظر فيها أنّها حاصرة ، وهي في عرف الشّرع : الرّجوع من شرّ إلى خير .
وحدّ التّوبة : النّدم على فارط فعل ، من حيث هو معصية اللّه عزّ وجلّ ، وإن كان النّدم من حيث أضرّ ذلك الفعل في بدن أو ملك فليس بتوبة ، فإن كان ذلك الفعل ممّا يمكن هذا النّادم فعله في المستأنف فمن شروط التّوبة العزم على ترك ذلك الفعل في المستأنف ، وإلّا فثمّ إصرار لا توبة معه ، وإن كان ذلك الفعل لا يمكنه ، مثل أن يتوب من الزّنى فيجبّ بأثر ذلك ونحو ذلك ، فهذا لا يحتاج إلى شرط العزم على التّرك .
والتّوبة فرض على المؤمنين بإجماع الأمّة ، والإجماع هي القرينة الّتي حمل بها قوله تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً
النّور : 31 ، على الوجوب .
وتصحّ التّوبة من ذنب من الإقامة على غيره من غير نوعه ، خلافا للمعتزلة في قولهم : لا يكون تائبا من أقام على ذنب ، وتصحّ التّوبة وإن نقضها التّائب في ثاني حال بمعاودة الذّنب ، فإنّ التّوبة الأولى طاعة قد انقضت وصحّت ، وهو محتاج بعد موافقة الذّنب إلى توبة أخرى مستأنفة . والإيمان للكافر ليس نفس توبته ، وإنّما توبته ندمه على سالف كفره .
وقوله تعالى : ( على اللّه ) فيه حذف مضاف ، تقديره :
على فضل اللّه ورحمته لعباده ، وهذا نحو قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمعاذ بن جبل : « يا معاذ أتدري ما حقّ اللّه على العباد ؟
قال : اللّه ورسوله أعلم ، قال : أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، ثمّ سكت قليلا ، ثمّ قال : يا معاذ أتدري ما حقّ العباد على اللّه ؟ قال : اللّه ورسوله أعلم ، قال : أن يدخلهم الجنّة » . فهذا كلّه إنّما معناه : ما حقّهم على فضل اللّه ورحمته .
والعقيدة : أنّه لا يجب على اللّه تعالى شيء عقلا ، لكن إخباره تعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي