السّوء بجهالة [ إلى أن قال : ]
وظاهر الآية يدلّ على أنّ اللّه يقبل التّوبة من جميع المعاصي كفرا كان أو قتلا أو غيرهما من المعاصي ، ويقربه أيضا قوله :
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
- إلى قوله -
إِلَّا مَنْ تابَ
الفرقان : 68 - 70 ، فاستثنى من القتل كما استثنى من الزّنى والشّرك . وحكي عن الحسن أنّه قال :
لا يقبل اللّه توبة القاتل .
وروي أنّه إنّما قال ذلك لرجل كان عزم على قتل رجل ، على أن يتوب فيما بعد ، فأراد صدّه عن ذلك .
وقوله :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
بعد قوله :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
معناه أنّ اللّه يقبل توبتهم إذا تابوا وأنابوا ، وقوله :
مِنْ قَرِيبٍ
حثّ على أنّ التّوبة يجب أن تكون عقيب المعصية ، خوفا من الاخترام ، وليس المراد بذلك أنّها لو تأخّرت لما قبلت . [ إلى أن قال : ]
أخبر اللّه تعالى في هذه الآية أنّه لا يقبل التّوبة من الّذي يعمل المعاصي حتّى إذا حضره الموت ، قال :
إِنِّي تُبْتُ الْآنَ .
وأجمع أهل التّأويل على أنّ الآية تناولت عصاة أهل الصّلاة ، إلّا ما حكي عن الرّبيع أنّه قال : إنّها في المنافقين . وهذا غلط لأنّ المنافقين كفّار ، وقد بيّن اللّه الكفّار بقوله :
وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ .
وقال الرّبيع أيضا : إنّ الآية منسوخة بقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
النّساء : 48 ، وهذا خطأ ، لأنّ النّسخ لا يدخل في الخبر الّذي يجري هذا المجرى .
ومن جوّز العفو بلا توبة يمكنه أن يقول : إنّ التّوبة الّتي وعد اللّه بإسقاط العقاب عندها قطعا متى حصلت في هذا الوقت لا يسقط العقاب ، ولا يمنع ذلك من أن يتفضّل اللّه بإسقاط العقاب ابتداء بلا توبة ، كما لو خرج من دار الدّنيا من غير توبة أصلا ، لم يمنع ذلك من جواز العفو عنه ، فليس في الآية ما ينافي القول بجواز العفو من غير توبة .
وقال جميع المفسّرين ، كابن عبّاس ، وابن عمر ، وإبراهيم ، وابن زيد ، وغيرهم : إنّ الّذين يحتضرون لا تقبل لهم توبة ، غير أنّ الّذين يحضرون الميّت لا يعرفون تلك الحال معرفة يمكن بها الإشارة إليها .
فإن قيل : فلم لم تقبل التّوبة في الآخرة ؟ قيل : لرفع التّكليف وحصول الإلجاء إلى فعل الحسن دون القبيح ، والملجأ لا يستحقّ بفعله ثوابا ولا عقابا ، لأنّه يجري مجرى الاضطرار .
وحكى الرّمّانيّ عن قوم أنّهم قالوا : بتكليف أهل الآخرة ، وأنّ التّوبة إنّما لم يجب قبولها ، لأنّ صاحبها هناك في مثل حال المتعوّذ بها ، لا المخلص فيها . وهذا خطأ ، لأنّ اللّه تعالى يعلم أسرارهم كما يعلم إعلانهم . ( 3 : 145 )
الزّمخشريّ : ( التّوبة ) من تاب اللّه عليه ، إذا قبل توبته وغفر له ، يعني إنّما القبول والغفران واجب على اللّه تعالى لهؤلاء . [ إلى أن قال : ]
فإن قلت : ما معنى ( من ) في قوله : من قريب ) ؟
قلت : معناه التّبعيض ، أي يتوبون بعض زمان قريب ، كأنّه سمّي ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زمانا قريبا ، ففي أيّ جزء تاب من أجزاء الزّمان فهو تائب من قريب ، وإلّا فهو تائب من بعيد .