الّتي تاب منها بل العود والنّقض معصية أخرى يجب عليه أن يتوب منها .
وقالت المعتزلة : من شروط صحّتها أن لا يعاود الذّنب ، فإن عاوده انتقضت توبته وعادت ذنوبه ، لأنّ النّدم المعتبر فيها لا يتحقّق إلّا بالاستمرار ، ووافقهم القاضي أبو بكر . والجمهور على أنّ استدامة النّدم غير واجبة بل الشّرط أن لا يطرأ عليه ما ينافيه ويدفعه ، لأنّه حينئذ دائم حكما كالإيمان حال النّوم ، ويلزم من اشتراط الاستدامة مزيد الحرج والمشقّة ، وقال الآمديّ : يلزم أيضا اختلال الصّلوات وسائر العبادات ، ويلزم أيضا أن لا يكون بتقدير عدم استدامة النّدم وتذكّره تائبا ، وأن يجب عليه إعادة التّوبة وهو خلاف الإجماع .
نعم اختلف العلماء فيمن تذكر المعصية بعد التّوبة منها ، هل يجب عليه أن يجدّد النّدم ؟ وإليه ذهب القاضي منّا ، وأبو عليّ من المعتزلة زعما منهما أنّه لو لم يندم كلّما ذكرها لكان مشتهيا لها فرحا بها ، وذلك إبطال للنّدم ورجوع إلى الإصرار ، والجواب المنع إذ ربّما يضرب عنها صفحا من غير ندم عليها ولا اشتهاء لها وابتهاج بها . ولو كان الأمر كما ذكر للزم أن لا تكون التّوبة السّابقة صحيحة . وقد قال القاضي نفسه : إنّه إذا لم يجدّد ندما كان ذلك معصية جديدة يجب النّدم عليها ، والتّوبة الأولى مضت على صحّتها ؛ إذ العبادة الماضية لا ينقضها شيء بعد ثبوتها .
وبعدم وجوب التّجديد عند ذكر المعصية صرّح إمام الحرمين ، ويفهم من كلامهم أنّ محلّ الخلاف إذا لم يبتهج عند ذكر الذّنب به ويفرح ويتلذّذ بذكره أو سماعه ، وإلّا وجب التّجديد اتّفاقا . وظاهر كلامهم أنّ المعاودة غير مبطلة ولو كانت في مجلس التّوبة بل ولو تكرّرت تكرارا يلتحق بالتّلاعب ، وفي هذا الأخير نظر . فقد قال القاضي عياض : « إنّ الواقع في حقّ اللّه تعالى بما هو كفر تنفعه توبته مع شديد العقاب ، ليكون ذلك زجرا له ولمثله ، إلّا من تكرّر ذلك منه وعرف استهانته بما أتى به ، فهو دليل على سوء طويته وكذب توبته » .
وينبغي عليه أن يقيّد ذلك بأن لا تكثر كثرة تشعر بالاستهانة وتدخل صاحبها في دائرة الجنون .
واختلف في صحّة التّوبة الموقّتة بلا إصرار ، كأن لا يلابس الذّنوب أو ذنب كذا سنة ، فقيل : تصحّ ، وقيل :
لا . وفي « شرح الجوهرة » قياس صحّتها من بعض الذّنوب دون بعض صحّتها فيما ذكر .
ثمّ إنّ للتّوبة مراتب من أعلاها ما روي عن يعسوب المؤمنين كرّم اللّه تعالى وجهه أنّه سمع أعرابيّا يقول : اللّهمّ إنّي استغفرك وأتوب إليك ، فقال : يا هذا إنّ سرعة اللّسان بالتّوبة توبة الكذّابين ، فقال الأعرابيّ :
وما التّوبة ؟ قال كرّم اللّه تعالى وجهه : « يجمعها ستّة أشياء : على الماضي من الذّنوب النّدامة ، وللفرائض الإعادة ، وردّ المظالم ، واستحلال الخصوم ، وأن تعزم على أن لا تعود ، وأن تذيب نفسك في طاعة اللّه كما ربّيتها في المعصية ، وأن تذيقها مرارة الطّاعة كما أذقتها حلاوة المعاصي » .
وأريد بإعادة الفرائض : أن يقضي منها ما وقع في زمان معصيته كشارب الخمر يعيد صلاته قبل التّوبة لمخامرته للنّجاسة غالبا ، وهذه توبة نحو الخواصّ ،
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 135
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص١٣٥