تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
ممّا يتعلّق بها ، فنقول : هي لغة الرّجوع ، وشرعا وصفا لنا على ما قال السّعد : النّدم على المعصية لكونها معصية ، لأنّ النّدم عليها بإضرارها بالبدن أو إخلالها بالعرض أو المال مثلا لا يكون توبة ، وأمّا النّدم لخوف النّار أو للطّمع في الجنّة ففي كونه توبة تردّد . ومبناه على أنّ ذلك هل يكون ندما عليها لقبحها ولكونها معصية أم لا ؟ وكذا النّدم عليها لقبحها مع غرض آخر . والحقّ أنّ جهة القبح إن كانت بحيث لو انفردت لتحقّق الندّم فتوبة ، وإلّا فلا ، كما إذا كان الغرض مجموع الأمرين لا كلّ واحد منهما ، وكذا في التّوبة عند مرض مخوف بناء على أنّ ذلك النّدم هل يكون لقبح المعصية بل للخوف ، وظاهر الأخبار قبول التّوبة ما لم تظهر علامات الموت ، ويتحقّق أمره عادة . ومعنى النّدم تحزّن وتوجّع على أن فعل وتمنّى كونه لم يفعل . ولا بدّ من هذا للقطع بأنّ مجرّد التّرك كالماجن إذا ملّ مجونه فاستروح إلى بعض المباحات ، ليس بتوبة ، ولقوله عليه الصّلاة والسّلام : « النّدم توبة » وقد يزاد قيد العزم على ترك المعاودة . واعترض بأنّ فعل المعصية في المستقبل قد لا يخطر بالبال لذهول أو جنون أو نحوه ، وقد لا يقدر عليه لعارض آفة كخرس في القذف مثلا أوجبّ في الزّنى ، فلا يتصوّر العزم على التّرك لما فيه من الإشعار بالقدرة والاختيار . وأجيب : بأنّ المراد العزم على التّرك على تقدير الخطور والاقتدار ، حتّى لو سلب القدرة لم يشترط العزم على التّرك ، وبذلك يشعر كلام إمام الحرمين حيث قال : إنّ العزم على ترك المعاودة إنّما يقارن التّوبة في بعض الأحوال ولا يطّرد في كلّ حال ؛ إذ العزم إنّما يصحّ ممّن يتمكّن من مثل ما قدّمه ، ولا يصحّ من المجبوب العزم على ترك الزّنى ، ومن الأخرس العزم على ترك القذف . وقال بعض الأجلّة : التّحقيق أنّ ذكر العزم إنّما هو للبيان والتّقرير لا للتّقييد والاحتراز ؛ إذ النّادم على المعصية لقبحها لا يخلو من ذلك العزم ألبتّة على تقدير الخطور والاقتدار ، وعلامة النّدم طول الحسرة والخوف وانسكاب الدّمع . ومن الغريب ما قيل : إنّ علامة صدق النّدم عن ذنب كالزّنى : أن لا يرى في المنام أنّه يفعله اختيارا ؛ إذ يشعر ذلك ببقاء حبّه إيّاه وعدم انقلاع أصوله من قبله بالكلّيّة ، وهو ينافي صدق النّدم . وقال المعتزلة : يكفي في التّوبة أن يعتقد أنّه أساء وأنّه لو أمكنه ردّ تلك المعصية لردّها ، ولا حاجة إلى الأسف والحزن لإفضائه إلى التّكليف بما لا يطاق . وقال الإمام النّوويّ : التّوبة ما استجمعت ثلاثة أمور : أن يقلع عن المعصية ، وأن يندم على فعلها ، وأن يعزم عزما جازما على أن لا يعود إلى مثلها أبدا . فإن كانت تتعلّق بآدميّ لزم ردّ الظّلامة إلى صاحبها أو وارثه أو تحصيل البراءة منه ، وركنها الأعظم النّدم . وفي « شرح المقاصد » قالوا : إن كانت المعصية في خالص حقّ اللّه تعالى فقد يكفي النّدم ، كما في ارتكاب الفرار من الزّحف وترك الأمر بالمعروف ، وقد تفتقر إلى أمر زائد كتسليم النّفس للحدّ في الشّرب وتسليم ما وجب في ترك الزّكاة ، ومثله في ترك الصّلاة .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 133 | مجمع البحوث الاسلامية