تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
وإن تعلّقت بحقوق العباد لزم مع النّدم ، والعزم إيصال حقّ العبد أو بدله إليه إن كان الذّنب ظلما كما في الغصب والقتل العمد ، ولزم إرشاده إن كان الذّنب إضلالا له ، والاعتذار إليه إن كان إيذاء كما في الغيبة إذا بلغته ، ولا يلزم تفصيل ما اغتابه به إلّا إذا بلغه على وجه أفحش . والتّحقيق أنّ هذا الزّائد واجب آخر خارج عن التّوبة - على ما قاله إمام الحرمين - من أنّ القاتل إذا ندم من غير تسليم نفسه للقصاص صحّت توبته في حقّ اللّه تعالى ، وكان منعه القصاص من مستحقّه معصية متجدّدة تستدعي توبة ، ولا يقدح في التّوبة عن القتل ، ثمّ قال : وربّما لا تصحّ التّوبة بدون الخروج من حقّ العبد كما في الغصب ، ففرق بين القتل والغصب ، ووجهه لا يخفى على المتأمّل . ولم يختلف أهل السّنّة وغيرهم في وجوب التّوبة على أرباب الكبائر ، واختلف في الدّليل ، فعندنا السّمع كهذه الآية وغيرها ، وحمل الأمر فيها على الرّخصة والإيذان بقولها ودفع القنوط - كما جوّزه الآمديّ احتمالا وبنى عليه عدم الإثابة عليها - ممّا لا يكاد يقبل . وعند المعتزلة العقل . وأوجبت الجهميّة التّوبة عن الصّغائر سمعا لا عقلا ، وأهل السّنّة على ذلك . ومقتضى كلام النّوويّ ، والمازريّ ، وغيرهما وجوبها حال التّلبّس بالمعصية ، وعبارة المازريّ : « اتّفقوا على أنّ التّوبة من جميع المعاصي واجبة ، وأنّها واجبة على الفور ، ولا يجوز تأخيرها سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة » . وفي « شرح الجوهرة » أنّ التّمادي على الذّنب بتأخير التّوبة منه معصية واحدة ما لم يعتقد معاودته ، وصرّحت المعتزلة بأنّها واجبة على الفور حتّى يلزم بتأخيرها ساعة إثم آخر تجب التّوبة عنه ، وساعتين إثمان وهلمّ جرّا . بل ذكروا أنّ بتأخير التّوبة عن الكبيرة ساعة واحدة يكون له كبيرتان : المعصية ، وترك التّوبة ، وساعتين أربع : الأوليان ، وترك التّوبة على كلّ منهما ، وثلاث ساعات ثمان وهكذا ، وتصحّ عن ذنب دون ذنب لتحقّق النّدم والعزم على عدم العود . وخالف أبو هاشم محتجّا بأنّ النّدم على المعصية يجب أن يكون لقبحها وهو شامل لها كلّها ، فلا يتحقّق النّدم على قبيح مع الإصرار على آخر . وأجيب بأنّ الشّامل للكلّ هو القبح لا خصوص قبح تلك المعصية ، وهذا الخلاف في غير الكافر إذا أسلم وتاب من كفره مع استدامته بعض المعاصي ، أمّا هو فتوبته صحيحة وإسلامه كذلك بالإجماع ، ولا يعاقب إلّا عقوبة تلك المعصية . نعم اختلف في أنّ مجرّد إيمانه هل يعدّ توبة أم لا بدّ من النّدم على سالف كفره ؟ فعند الجمهور مجرّد إيمانه توبة . وقال الإمام والقرطبيّ : لا بدّ من النّدم على سالف الكفر ، وعدم اشتراط العمل الصّالح مجمع عليه عند الأئمّة ، خلافا لابن حزم ، وكذا تصحّ التّوبة عن المعاصي إجمالا من غير تعيين المتوب عنه ولو لم يشقّ عليه تعيينه . وخالف بعض المالكيّة فقال : إنّما تصحّ إجمالا ممّا علم إجمالا ، وأمّا ما علم تفصيلا فلابدّ من التّوبة منه تفصيلا . ولا تنتقض التّوبة الشّرعيّة بالعود فلا تعود عليه ذنوبه
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 134 | مجمع البحوث الاسلامية