وهي الخياطة ، وفي أخذها منها وجهان :
أحدهما : لأنّها توبة قد أحكمت طاعته وأوثقتها ، كما يحكم الخيّاط الثّوب بخياطته وتوثيقه .
الثّاني : لأنّها قد جمعت بينه وبين أولياء اللّه وألصقته بهم ، كما يجمع الخيّاط الثّوب ويلصق بعضه ببعض .
( 6 : 45 )
القشيريّ : التّوبة النّصوح : هي الّتي لا يعقبها نقض .
ويقال : هي الّتي لا تراها من نفسك ، ولا ترى نجاتك بها ، وإنّما تراها بربّك .
ويقال : هي أن تجد المرارة في قلبك عند ذكر الزّلّة ، كما كنت تجد الرّاحة لنفسك عند فعلها . ( 6 : 176 )
الواحديّ : يعني ينصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب منه . ( 4 : 321 )
نحوه الخازن . ( 7 : 101 )
الزّمخشريّ : وصفت التّوبة بالنّصح على الإسناد المجازيّ . والنّصح صفة التّائبين ، وهو أن ينصحوا بالتّوبة أنفسهم ، فيأتوا بها على طريقها ، متداركة للفرطات ماحية للسّيّئات ؛ وذلك أن يتوبوا عن القبائح لقبحها نادمين عليها ، مغتمّين أشدّ الاغتمام لارتكابها ، عازمين على أنّهم لا يعودون في قبيح من القبائح إلى أن يعود اللّبن في الضّرع ، موطّنين أنفسهم على ذلك . [ ثمّ نقل أقوال المفسّرين وقال : ]
وقيل : ( نصوحا ) من نصاحة الثّوب ، أي توبة ترفو خروقك في دينك وترمّ خللك . وقيل : خالصة من قولهم : عسل ناصح ، إذا خلص من الشّمع .
ويجوز أن يراد : توبة تنصح النّاس ، أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها ، واستعماله الجدّ والعزيمة في العمل على مقتضياتها .
وقرأ زيد بن عليّ : ( توبا نصوحا ) . ( 4 : 129 )
نحوه أبو السّعود ( 6 : 269 ) ، والمشهديّ ( 10 :
516 ) ، والنّسفيّ ( 2 : 271 ) ، والشّوكانيّ ( 5 : 310 ) .
ابن عطيّة : أمر عباده بالتّوبة ، والتّوبة فرض على كلّ مسلم . وتاب معناه رجع ؛ فتوبة العبد : رجوعه من المعصية إلى الطّاعة ، وتوبة اللّه تعالى على العبد : إظهار صلاحه ونعمته عليه في الهداية إلى الطّاعة ، وقبول توبة الكفّار يقطع بها على اللّه إجماعا من الأمّة .
واختلف النّاس في توبة العاصي ؛ فجمهور أهل السّنّة على أنّه لا يقطع بقبولها ولا ذلك على اللّه بواجب ، والدّليل على ذلك دعاء كلّ واحد من المذنبين في قبول التّوبة . ولو كانت مقطوعا بها لما كان معنى للدّعاء في قبولها ، وظواهر القرآن في ذلك هي كلّها بمعنى المشيئة .
وروي عن أبي الحسن الأشعريّ أنّه قال : التّوبة إذا توفّرت شروطها قطع على اللّه بقبولها ، لأنّه تعالى أخبر بذلك .
وهذا المسلك [ موافق ] بظواهر القرآن ، وعلى هذا القول أطبقت المعتزلة .
والتّوبة : النّدم على فارط المعصية ، والعزم على ترك مثلها في المستقبل ، وهذا من المتمكّن ، وأمّا غير المتمكّن كالمجبوب في الزّنى فالنّدم وحده يكفيه .
والتّوبة عبادة كالصّلاة ونحوها ، فإذا تاب العبد وحصلت توبته بشروطها وقبلت ثمّ عاود الذّنب ، فتوبته الأولى لا تفسدها عوده بل هي كسائر ما تحصل
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 130
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص١٣٠