التّوبة : 88 ، التّائبون .
وقرأ أبيّ كلّ ذلك بالنّصب على أنّه صفة للمؤمنين .
وصف اللّه تعالى المؤمنين الّذين اشتروا منه أنفسهم وأموالهم بأنّهم التّائبون ، ومعناه الرّاجعون إلى طاعة اللّه المنقطعون إليه والنّادمون على ما فعلوا من قبيح .
( 5 : 354 )
القشيريّ : ( التّائبون ) أي الرّاجعون إلى اللّه ، فمن راجع يرجع عن زلّته إلى طاعته ، ومن راجع يرجع عن متابعة هواه إلى موافقة رضاه ، ومن راجع يرجع عن شهود نفسه إلى شهود لطفه ، ومن راجع يرجع عن الإحساس بنفسه وأبناء جنسه إلى الاستغراق في حقائق حقّه .
ويقال : تائب يرجع عن أفعاله إلى تبديل أحواله ، فيجد غدا فنون أفضاله ، وصنوف لطفه ونواله ، وتائب يرجع عن كلّ غير وضدّ إلى ربّه بربّه لربّه بمحو كلّ أرب ، وعدم الإحساس بكلّ طلب .
وتائب يرجع لحظّ نفسه من جزيل ثوابه ، أو حذرا على نفسه ، من أليم عذابه ، وتائب يرجع لأمره برجوعه وإيابه ، وتائب يرجع طلبا لفرح نفسه حين ينجو من أوضاره ، ويخلص من شؤم أوزاره ، وتائب يرجع لمّا سمع أنّه قال : « إنّ اللّه أفرح بتوبة عبده من الأعرابيّ الّذي وجد ضالّته » كما في الخبر ، وشتّان ما هما .
أيا قادما من سغرة الهجر مرحبا * أناديك لا أنساك ما هبّت الصّبا
( 3 : 66 )
الزّمخشريّ : ( التّائبون ) رفع على المدح ، أي هم التّائبون ، يعني المؤمنين المذكورين ، ويدلّ عليه قراءة عبد اللّه وأبيّ رضي اللّه عنهما « التّائبين » بالياء ، إلى « والحافظين » نصبا على المدح ، ويجوز أن يكون جرّا صفة للمؤمنين .
وجوّز الزّجّاج أن يكون مبتدأ خبره محذوف ، أي التّائبون العابدون من أهل الجنّة أيضا وإن لم يجاهدوا ، كقوله :
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى
النّساء : 95 .
وقيل : هو رفع على البدل من الضّمير في ( يقاتلون ) .
ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره ( العابدون ) وما بعده خبر بعد خبر ، أي التّائبون من الكفر على الحقيقة ، الجامعون لهذه الخصال . ( 2 : 216 )
نحوه الآلوسيّ ( 11 : 30 ) ، والنّيسابوريّ ( 11 : 27 ) ، وأبو السّعود ( 3 : 196 ) .
ابن عطيّة : و ( التّائبون ) لفظ يعمّ الرّجوع من الشّرّ إلى الخير ، كان ذلك من كفر أو معصية ، والرّجوع من حالة إلى ما هي أحسن منها ، وإن لم تكن الأولى شرّا بل خيرا ، وهكذا توبة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم واستغفاره سبعين مرّة في اليوم .
والتّائب هو المقلع عن الذّنب ، العازم على التّمادي على الإقلاع ، النّادم على ما سلف . والتّائب عن ذنب يسمّى تائبا وإن قام على غيره إلّا أن يكون من نوعه فليس بتائب .
والتّوبة ونقضها دائبا خير من الإصرار ، ومن تاب ثمّ نقض ووافى على النّقض فإنّ ذنوبه الأولى تبقى عليه ، لأنّ توبته منها علم اللّه أنّها منقوضة ، ويحتمل الأمر غير ذلك ، واللّه أعلم . ( 3 : 88 )