تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
والأمر والجزاء ، بالوعد والوعيد بأسمائه وصفاته ، وأنّ ذلك موجب الأسماء والصّفات ، وأثرها في الوجود ، وأنّ كلّ اسم مفيض لأثره . وهذا المشهد يطلعه على رياض مؤنقة المعارف والإيمان ، وأسرار القدر والحكمة ، يضيق عن التّعبير عنها نطاق الكلم والنّظر . الرّابع : نظره إلى الآمر له بالمعصية ، وهو شيطانه الموكّل به ، فيفيده النّظر إليه اتّخاذه عدوّا ، وكمال الاحتراز منه ، والتّحفّظ والتّيقّظ لما يريده منه عدوّه ، وهو لا يشعر ؛ فإنّه يريد أن يظفر به في عقبة من سبع عقبات بعضها أصعب من بعض : عقبة الكفر باللّه ودينه ولقائه ، ثمّ عقبة البدعة ، إمّا باعتقاده خلاف الحقّ ، وإمّا بالتّعبّد بما لم يأذن به اللّه من الرّسوم المحدثة - قال بعض مشايخنا : تزوّجت الحقيقة الكافرة ، بالبدعة الفاجرة ، فولد بينهما خسران الدّنيا والآخرة - ثمّ عقبة الكبائر يزيّنها له وأنّ الإيمان فيه الكفاية . ثمّ عقبة الصّغائر بأنّها مغفورة ما اجتنبت الكبائر ولا يزال يجنيها حتّى يصرّ عليها ، ثمّ عقبة المباحات ، فيشغله بها عن الاستكثار من الطّاعات . وأقلّ ما يناله منه تفويت الأرباح العظيمة ، ثمّ عقبة الأعمال المرجوحة ، المفضولة يزيّنها له ، ويشغله بها عمّا هو أفضل وأعظم ربحا . ولكن أين أصحاب هذه العقبة ! فهم الأفراد في العالم . والأكثرون قد ظفر بهم في العقبة الأولى . فإن عجز عنه في هذه العقبات جاء في عقبة تسليط جنده عليه بأنواع الأذى ، على حسب مرتبته في الخير . وهذه نبذة من لطائف أسرار التّوبة ، رزقنا اللّه تعالى إيّاها بمنّه وفضله إنّه حقيق بذلك . ويقال : إنّ التّوبة من طريق المعنى على ثلاثة أنواع ، ومن طريق اللّفظ وسبيل اللّطف على ثلاثة وثلاثين درجة : أمّا المعنى ، فالأوّل : التّوبة من ذنب يكون بين العبد وبين الرّبّ ، وهذا يكون بندامة الجنان ، واستغفار اللّسان . والثّاني : التّوبة من ذنب يكون بين العبد وبين طاعة الرّبّ ، وهذا يكون بجبر النّقصان الواقع فيها . الثّالث : التّوبة من ذنب يكون بين العبد وبين الخلق ، وهذه تكون بإرضاء الخصوم بأيّ وجه أمكن . وأمّا درجات اللّطف ، فالأولى : أنّ اللّه أمر الخلق بالتّوبة ، وأشار بأنّها الّتي تليق بحال المؤمن
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ .
الثّانية : لا تكون التّوبة مثمرة حتّى يتمّ أمرها
تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً
التّحريم : 8 . الثّالثة : لا تنظر أنّك فريد في طريق التّوبة ، فإنّ أباك آدم كان مقدّم التّائبين
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ
البقرة : 37 ، والكليم موسى لم يكن له لمّا علا على الطّور تحفة غير التّوبة
سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ
الأعراف : 143 . ثمّ إنّه بشّر النّاس بالتّمتّع من الأعمار ، واستحقاق فضل الرّؤوف الغفّار
ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً
هود : 3 ، وأشار صالح على قومه بالتّوبة ، وبشّرهم بالقربة والإجابة
ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ
هود : 61 ، وسيّد المرسلين مع الأنصار والمهاجرين سلكوا طريق النّاس
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ
التّوبة : 117 ، والصّدّيق الأكبر اقتدى في التّوبة بسائر النّبيّين
تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ