فلا يرجو الفلاح إلّا التّائبون ، جعلنا اللّه منهم .
وقد قال - تعالى - :
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
الحجرات : 11 ، قسّم العباد إلى تائب ، وظالم - وما قسم ثالث ألبتّة - وأوقع الظّلم على من لم يتب ، ولا أظلم منه بجهله بربّه ، وبحقّه ، وبعيب نفسه ، وبآفات أعماله ، وفي الصّحيح : « يا أيّها النّاس توبوا إلى اللّه ؛ فإنّي أتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرّة » وكان أصحابه يعدّون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم : « ربّ اغفر لي وتب عليّ إنّك أنت التّواب الرّحيم » مئة مرّة ، وما صلّى صلاة قطّ بعد نزول سورة النّصر إلّا قال في صلاته :
سبحانك اللّهمّ ربّنا وبحمدك ، اللّهمّ اغفر لي .
وقوله تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ
يريد بالتّوبة تمييز البقيّة من العزّة ، بأن يكون المقصود من التّوبة تقوى اللّه ، وهو خوفه ، وخشيته ، والقيام بأمره ، واجتناب نهيه ، فيعمل بطاعته على نور من اللّه ، يرجو ثواب اللّه ، ويترك معصية اللّه على نور من اللّه ، يخاف عقاب اللّه ، لا يريد بذلك عزّ الطّاعة ؛ فإنّ للطّاعة والتّوبة عزّا ظاهرا وباطنا ، فلا يكون مقصوده العزّة ، وإن علم أنّها تحصل له بالطّاعة والتّوبة . فمن تاب لأجل أمر فتوبته مدخولة .
وسرائر التّوبة ثلاثة أشياء هذا أحدها ، والثّاني نسيان الجناية ، والثّالث التّوبة من الإسلام والإيمان « 1 » .
قلنا : المراد منه التّوبة من رؤية التّوبة وأنّها إنّما حصلت له بتوفيق اللّه ومشيئته ، ولو خلّي ونفسه لم يسمح بها ألبتّة . فإذا رآها من نفسه ، وغفل عن منّة اللّه عليه ، تاب من هذه الرّؤية والغفلة . ولكن هذه الرّؤية ليست التّوبة ولا جزأها ، ولا شرطها ، بل جناية أخرى حصلت له بعد التّوبة ، فيتوب من هذه الجناية ، كما تاب من الجناية الأولى ، فما تاب إلّا من ذنب أوّلا وآخرا . والمراد التّوبة من نقصان التّوبة وعدم توفيتها حقّها .
ووجه ثالث لطيف ، وهو أنّه من حصل له مقام الأنس باللّه تعالى ، وصفاء وقته مع اللّه تعالى ؛ بحيث يكون إقباله على اللّه ، واشتغاله بذكر آلائه وأسمائه وصفاته ، أنفع شيء له ، متى نزل عن هذا الحال اشتغل بالتّوبة من جناية سالفة ، قد تاب منها ، وطالع الجناية ، واشتغل بها عن اللّه تعالى ، فهذا نقص ينبغي أن يتوب إلى اللّه منه . وهي توبة من هذه التّوبة ، لأنّه نزول من الصّفاء إلى الجفاء ، فالتّوبة من التّوبة إنّما تعقل على أحد هذه الوجوه الثّلاثة ، واللّه أعلم .
واعلم أنّ صاحب البصيرة إذا صدرت منه الخطيئة ، فله في توبته ، نظر إلى أمور :
أحدها : النّظر إلى الوعد والوعيد ، فيحدث له ذلك خوفا وخشية تحمله على التّوبة .
الثّاني : أن ينظر إلى أمره تعالى ونهيه فيحدث له ذلك الاعتراف بكونها خطيئة ، والإقرار على نفسه بالذّنب .
الثّالث : أن ينظر إلى تمكين اللّه تعالى إيّاه منها ، وتخليته بينه وبينها ، وتقديرها عليه ، وأنّه لو شاء لعصمه منها ، فيحدث له ذلك أنواعا من المعرفة باللّه ، وأسمائه وصفاته ، وحكمته ورحمته ، ومغفرته وعفوه ، وحلمه وكرمه ، وتوجب له هذه المعرفة عبوديّة بهذه الأسماء ، لا تحصل بدون لوازمها ، ويعلم ارتباط الخلق ،
هامش
( 1 ) يريد ألّا يرى له فضلا بأعمال الإسلام والإيمان .