وجاء أيضا استعمال الأوّل في الثّاني ، والاحتياج إلى توجيه العطف على هذا ظاهر ، وأمّا على ذاك فلأنّ الظّاهر أنّ المراد من الاستغفار المأمور به : الاستغفار المسبوق بالتّوبة بمعنى النّدم ، فكأنّه قيل : استغفروا ربّكم بعد التّوبة ثمّ توبوا إليه .
ولا شبهة في ظهور احتياجه إلى التّوجيه حينئذ ، والقلب يميل فيه إلى حمل الأمر الثّاني على الإخلاص في التّوبة والاستمرار عليها ، والتّراخي عليه يجوز أن يكون رتبيّا وأن يكون زمانيّا ، كما لا يخفى . ( 11 : 207 )
الطّباطبائيّ : والظّاهر أنّ المراد بالتّوبة في الآية :
الإيمان ، كما في قوله تعالى :
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ
المؤمن : 7 ، فيستقيم الجمع بين الاستغفار والتّوبة مع عطف التّوبة عليه ب ( ثمّ ) ، والمعنى اتركوا عبادة الأصنام بعد هذا ، واطلبوا من ربّكم غفران ما قدّمتم من المعصية ، ثمّ آمنوا بربّكم .
وقيل : إنّ المعنى اطلبوا المغفرة واجعلوها غرضكم ، ثمّ توصّلوا إليه بالتّوبة ، وهو غير جيّد .
ومن التّكلّف ما ذكره بعضهم أنّ المعنى : استغفروا من ذنوبكم الماضية ثمّ توبوا إليه كلّما أذنبتم في المستقبل ، وكذا قول آخر : إنّ ( ثمّ ) في الآية بمعنى « الواو » لأنّ التّوبة والاستغفار واحد . ( 10 : 141 )
عبد الكريم الخطيب : وفي العطف ب ( ثمّ ) إشارة إلى أنّ الاستغفار مطلوب دائما من كلّ مؤمن ؛ إذ كان الإنسان في معرض الزّلل والانحراف ، وهو يعالج شؤون الحياة .
أمّا التّوبة فهي رجوع إلى اللّه بعد أن يبعد الإنسان كثيرا عنه ، بارتكاب منكر من المنكرات ، فالتّوبة يكون الإنسان فيها في مواجهة موقف محدّد ، يراجع فيه الإنسان نفسه ، فيرجع إلى ربّه من قريب ، قبل أن تشطّ به الطّريق ، ويبعد عن ربّه .
أمّا الاستغفار فهو دعاء متّصل بين الإنسان وربّه ، وهذا يعني أنّ الإنسان وإن اجتهد في الطّاعة ، وأخلص في العبادة ، وبالغ في تحرّي الاستقامة ، لا يسلم أبدا من أن تقع منه هنات وزلّات . وإذن فهو على شعور بالنّقص دائما ، وفي مداومة الاستغفار التجاء إلى اللّه أن يطهّره ، وأن يمحو ما علق به من ذنوب . ( 6 : 1101 )
3 -
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .
( النّور : 31 )
الفيروزاباديّ : التّوبة من أفضل مقامات السّالكين ، لأنّها أوّل المنازل ، وأوسطها ، وآخرها ، فلا يفارقها العبد أبدا ، ولا يزال فيها إلى الممات . وإن ارتحل السّالك منها إلى منزل آخر ارتحل به ، ونزل به .
فهي بداية العبد ونهايته . وحاجته إليها في النّهاية ضروريّة ؛ كما حاجته إليها في البداية كذلك .
وقد قال تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً
النّور :
31 ، وهذه الآية في سورة مدنيّة ، خاطب اللّه تعالى بها أهل الإيمان ، وخيار خلقه أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم ، وصبرهم ، وهجرتهم ، وجهادهم ، ثمّ علّق الفلاح بالتّوبة تعلّق « 1 » المسبّب بسببه ، وأتى بأداة ( لعلّ ) المشعر بالتّرجّي ؛ إيذانا بأنّكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح ،
هامش
( 1 ) كذا ، والأولى : تعليق .