تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
وقتل النّفس في الحقيقة : التّبرّي عن حولها وقوّتها أو شهود شيء منها ، وردّ دعواها إليها ، وتشويش تدبيرها عليها ، وتسليم الأمور إلى الحقّ سبحانه بجملتها ، وانسلاخها من اختيارها وإرادتها ، وإمحاء آثار البشريّة عنها ، فأمّا بقاء الرّسوم والهياكل فلا خطر له ولا عبرة به . ( 1 : 104 ) الزّمخشريّ : إن قلت : ما الفرق بين الفاآت ؟ قلت : الأولى للتّسبيب لا غير ، لأنّ الظّلم سبب التّوبة ، والثّانية للتّعقيب ، لأنّ المعنى فاعزموا على التّوبة فاقتلوا أنفسكم ، من قبل أنّ اللّه تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم . ويجوز أن يكون القتل تمام توبتهم ، فيكون المعنى : ( فتوبوا ) فأتبعوا التّوبة القتل تتمّة لتوبتكم . والثّالثة متعلّقة بمحذوف . ولا يخلو إمّا أن ينتظم في قول موسى لهم فتتعلّق بشرط محذوف كأنّه قال : فإن فعلتم فقد تاب عليكم ، وإمّا أن يكون خطابا من اللّه تعالى لهم على طريقة الالتفات ، فيكون التّقدير : ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم . ( 1 : 281 ) نحوه أبو حيّان . ( 1 : 206 ) الطّبرسيّ : أي ارجعوا إلى خالقكم ومنشئكم بالطّاعة والتّوحيد ، وجعل توبتهم النّدم مع العزم وقتل النّفس جميعا . وهنا إضمار اختصار كأنّه لمّا قال لهم : فتوبوا إلى بارئكم قالوا : كيف ؟ قال :
فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ .
( 1 : 113 ) الفخر الرّازيّ : فيه سؤالات : السّؤال الأوّل : يقتضي كون التّوبة مفسّرة بقتل النّفس ، كما أنّ قوله عليه السّلام : « لا يقبل اللّه صلاة أحدكم حتّى يضع الطّهور مواضعه فيغسل وجهه ثمّ يديه » . يقتضي أن وضع الطّهور مواضعه مفسّر بغسل الوجه واليدين . ولكن ذلك باطل ، لأنّ التّوبة عبارة عن النّدم على الفعل القبيح الّذي مضى ، والعزم على أن لا يأتي بمثله بعد ذلك ، وذلك مغاير لقتل النّفس وغير مستلزم له ، فكيف يجوز تفسيره به ؟ والجواب : ليس المراد تفسير التّوبة بقتل النّفس بل بيان أنّ توبتهم لا تتمّ ولا تحصل إلّا بقتل النّفس . وإنّما كان كذلك لأنّ اللّه تعالى أوحى إلى موسى عليه السّلام أنّ شرط توبتهم قتل النّفس ، كما أنّ القاتل عمدا لا تتمّ توبته إلّا بتسليم النّفس حتّى يرضى أولياء المقتول أو يقتلوه ، فلا يمتنع أن يكون من شرع موسى عليه السّلام أنّ توبة المرتدّ لا تتمّ إلّا بالقتل . إذا ثبت هذا فنقول : شرط الشّيء قد يطلق عليه اسم ذلك الشّيء مجازا ، كما يقال للغاصب إذا قصد التّوبة : أنّ توبتك ردّ ما غصبت ، يعني أنّ توبتك لا تتمّ إلّا به ، فكذا هاهنا . السّؤال الثّاني : ما معنى قوله تعالى :
فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ
والتّوبة لا تكون إلّا للبارئ ؟ والجواب : المراد منه النّهي عن الرّياء في التّوبة ، كأنّه قال لهم : لو أظهرتم لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى اللّه الّذي هو مطّلع على ضميركم ، وإنّما تبتم إلى النّاس ؛ وذلك ممّا لا فائدة فيه ، فإنّكم إذا أذنبتم إلى اللّه وجب أن تتوبوا إلى اللّه . السّؤال الثّالث : كيف اختصّ هذا الموضع بذكر
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 111 | مجمع البحوث الاسلامية