يراد بالأولى القبول وبالثّانية العمل الّذي يكون سبب القبول . وهو تكلّف غير مقبول .
والصّواب أنّ التّوبة الأولى ذكرت في تعليل أحكام محرّمات النّكاح ، فكان معناها أنّ العمل بتلك الأحكام يكون توبة ورجوعا عمّا كان قبلها من أنكحتهم الباطلة الضّارّة ، وأنّ اللّه شرّعها لأجل ذلك .
ثمّ أسند إرادة التّوبة إلى اللّه تعالى في جملة مستأنفة ، ليبيّن لنا أنّ ذلك ما يريد اللّه تعالى أن نكون عليه دائما في مستقبل أيّامنا بعد الإسلام ، ويقابله بما يريده منّا متّبعو الشّهوات ، كأنّه يقول : ما جعل إرادة التّوبة علّة لتلك الأحكام إلّا وهو يريد ذلك دائما منكم ، لتزكوا نفوسكم وتطهر قلوبكم وتصلح أحوالكم . ( 5 : 36 )
الطّباطبائيّ : التّوبة المذكورة هو رجوعه إلى عبده بالنّعمة والرّحمة ، وتشريع الشّريعة ، وبيان الحقيقة ، والهداية إلى طريق الاستقامة ، كلّ ذلك توبة منه سبحانه ، كما أنّ قبول توبة العبد ورفع آثار المعصية توبة .
قوله تعالى :
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ
إلخ ، كأنّ تكرار ذكر توبته للمؤمنين للدّلالة على أنّ قوله :
وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً
إنّما يقابل من الفقرات الثّلاث في الآية السّابقة الفقرة الأخيرة فقط ؛ إذ لو ضمّ قوله :
وَيُرِيدُ الَّذِينَ
إلخ إلى الآية السّابقة من غير تكرار قوله :
وَاللَّهُ يُرِيدُ
إلخ أفاد المقابلة في معنى جميع الفقرات ولغي المعنى قطعا . ( 4 : 281 )
محمّد جواد مغنيّه : قيل : إنّ اللّه سبحانه أراد بقوله :
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ
أنّه تعالى شرّع تلك الأحكام لتعلموا بها تائبين ممّا سلف منكم في زمن الجاهليّة وأوّل الإسلام من نكاح حلائل الآباء ، والجمع بين الأختين ، وما إلى ذلك من المحرّمات . ومهما يكن فإنّ التّائب وغير التّائب لا يمكنه أن يطيع اللّه ، ويمتثل أحكامه إلّا بعد بيانها والعلم بها ، فبيان أحكامه لعباده فضل منه ونعمة عليهم .
[ إلى أن قال : ]
وتسأل : لقد كرّر اللّه سبحانه التّوبة في آيتين لا فاصل بينهما ؛ حيث قال :
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ
فما هو القصد من ذلك ؟
الجواب : جاءت التّوبة الأولى تعليلا لبيان الحلال والحرام من النّساء ، بصرف النّظر عن أمر اللّه بالتّوبة وإرادته لها . أمّا التّوبة الثّانية فهي تعبير عن أمره تعالى وإرادته التّوبة بترك المحرّمات ، وتقابلها إرادة متّبعي الشّهوات ، ونظير ذلك أن تقول لولدك : اشتريت لك هذا الكتاب لتقرأه ، فاقرأه . فذكرت القراءة أوّلا لبيان السّبب الموجب للقراءة ، وأعدتها ثانية ، لأنّك تريدها منه ، وتأمره بها . ( 2 : 301 )
فضل اللّه : هل التّوبة الّتي هي إرادة اللّه لنا ، هي المغفرة عمّا سلف من ذنوبنا ، لتكون الكلمة توجيها للإنسان في أن يفتّش عن طريق التّوبة ، فيحاسب نفسه على الأخطاء الّتي قد ارتكبها ، ليقف بين يدي اللّه حاملا مشاعر النّدم ، ويطلب منه التّوبة على ذلك كلّه ، أم هي أسلوب قرآنيّ في التّعبير عن المعنى الّذي توحي به التّوبة ، وهو السّير على الخطّ المستقيم الّذي يؤدّي إلى رضا اللّه بكلمة التّوبة ، فكأنّه يقول : إنّ اللّه يريد أن