تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
قال أصحابنا : وهذا المعنى متأكّد ببرهان العقل ؛ وذلك لأنّ النّدم عبارة عن حصول إرادة في المضيّ متعلّقة بترك فعل من الأفعال في المستقبل ، وحصول الإرادات والكراهات في القلب لا يكون بفعل العبد ، لأنّ فعل العبد مسبوق بالإرادة ، فلو كانت الإرادات فعلا للعبد لافتقر العبد في فعل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى ، ويلزم التّسلسل وهو محال . فعلمنا أنّ حصول الإرادات والكراهات في القلب ليس إلّا بتخليق اللّه تعالى وتكوينه ابتداء . ولمّا كانت التّوبة عبارة عن النّدم والعزم ، وكلّ ذلك من جنس الإرادات والكراهات ، علمنا أنّ التّوبة لا تحصل للعبد إلّا بخلق اللّه تعالى ، فصار هذا البرهان مطابقا لما دلّ عليه ظاهر القرآن ، وهو قوله :
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ .
وأمّا المعتزلة فإنّهم فسّروا قوله :
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
إمّا بفعل الألطاف ، أو بقبول التّوبة . ( 8 : 234 ) نحوه النّيسابوريّ . ( 4 : 62 ) أبو حيّان : [ نحو الزّمخشريّ وأضاف : ] وعلى هذا التّأويل تكون الجملة المنفيّة للتّأسيس لا للتّأكيد . وقيل : ( أو يتوب ) معطوف على ( الامر ) ، وقيل : على ( شئ ) أي ليس لك من الأمر أو من توبتهم أو تعذيبهم شيء ، أوليس لك من الأمر شيء أو توبتهم أو تعذيبهم . والظّاهر من هذه التّخاريج الأربعة هو الأوّل ، وأبعد من ذهب إلى أنّ قوله :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ
أي أمر الطّائفتين اللّتين همّتا أن تفشلا . وقرأ أبيّ ( أو يتوب عليهم أو يعذّبهم ) برفعهما على معنى أو هو يتوب عليهم . ( 3 : 53 ) الآلوسيّ : عطف إمّا على ( الامر ) أو على ( شئ ) بإضمار « أن » أي ليس لك من أمرهم شيء أو من التّوبة عليهم أو من تعذيبهم شيء ، أوليس لك من أمرهم شيء أو التّوبة عليهم أو تعذيبهم . وفرّقوا بين الوجهين بأنّه على الأوّل سلب ما يتّبع التّوبة والتّعذيب منه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم بالكلّيّة من القبول والرّدّ والخلاص من العذاب ، والمنع من النّجاة . وعلى الثّاني سلب نفس التّوبة والتّعذيب منه عليه الصّلاة والسّلام ، يعني لا يقدر أن يجبرهم على التّوبة ولا يمنعهم عنها ، ولا يقدر أن يعذّبهم ، ولا أن يعفو عنهم ، فإنّ الأمور كلّها بيد اللّه تعالى . وعلى التّقديرين هو من عطف الخاصّ على العامّ - كما قال العلّامة الثّاني - لكن في مجيء مثل هذا العطف بكلمة ( أو ) نظر . وتعقّبه بعضهم بأنّ هذا إذا كان ( الامر ) بمعنى الشّأن ، ولك أن تجعله بمعنى التّكليف والإيجاب ، أي ليس ما تأمرهم به من عندك ، وليس الأمر بيدك ولا التّوبة ولا التّعذيب ، فليس هناك عطف الخاصّ على العامّ . وفيه أنّ الحمل على التّكليف تكلّف ، والحمل على الشّأن أرفع شأنا . [ إلى أن قال : ] وقيل : إنّ قوله تعالى : ( أو يتوب ) إلخ عطف على ( ينقلبوا ) أي يكون ثمرة خزيهم انقلابهم خائبين ، أو التّوب عليهم أو تعذيبهم . [ ثمّ أدام نحو أبي حيّان ] ( 4 : 50 )