يكون في ظنّه أنّه متّبع للهدى . فأمّا الّذين يعلمون بقلوبهم ، ثمّ ينكرون بألسنتهم ، فهم المتّبعون للهوى .
وثانيها : أنّ ما قبل هذه الآية وهو قوله :
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ
لا يتناول عوامّهم ، بل هو مختصّ بالعلماء ، وما بعدها وهو قوله :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ
البقرة : 146 ، مختصّ بالعلماء أيضا ؛ إذ لو كان عامّا في الكلّ امتنع الكتمان ، لأنّ الجمع العظيم لا يجوز عليهم الكتمان ، وإذا كان ما قبلها وما بعدها خاصّا فكذا هذه الآية المتوسّطة .
وثالثها : أنّ اللّه تعالى أخبر عنهم بأنّهم مصرّون على قولهم ، ومستمرّون على باطلهم ، وأنّهم لا يرجعون عن ذلك المذهب بسبب شيء من الدّلائل والآيات .
وهذا شأن المعاند اللّجوج ، لا شأن المعاند المتحيّر .
ورابعها : أنّا لو حملناه على العموم لصارت الآية كذبا ، لأنّ كثيرا من أهل الكتاب آمن بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وتبع قبلته .
وقال آخرون : بل المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنّصارى . واحتجّوا عليه بأنّ قوله :
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
صيغة عموم فيتناول الكلّ .
ثمّ أجابوا عن الحجّة الأولى أنّ صاحب الشّبهة صاحب هوى في الحقيقة ، لأنّه ما تمّم النّظر والاستدلال ، فإنّه لو أتى بتمام النّظر والاستدلال لوصل إلى الحقّ ؛ فحيث لم يصل ، علمنا أنّه ترك التّامّ بمجرّد الهوى .
وأجابوا عن الحجّة الثّانية بأنّه ليس يمتنع أن يراد في الآية الأولى بعضهم ، وفي الآية الثّانية كلّهم .
وأجابوا عن الحجّة الثّالثة أنّ العلماء لمّا كانوا مصرّين على الشّبهات ، والعوامّ كانوا مصرّين على اتّباع أولئك العلماء كان الإصرار حاصلا في الكلّ .
وأجابوا عن الحجّة الرّابعة بأنّه تعالى أخبر عنهم أنّهم بكلّيّتهم لا يؤمنون ، وقولنا : كلّ اليهود لا يؤمنون ، مغاير لقولنا : أنّ أحدا منهم لا يؤمن .
المسألة الثّانية : احتجّ الكعبيّ بهذه الآية على جواز أن لا يكون في المقدور لطف لبعضهم ، قال : لأنّه لو حصل في المقدور لهؤلاء لطف ، لكان في جملة الآيات ما لو أتاهم به لكانوا يؤمنون ، فكان لا يصحّ هذا الخبر على وجه القطع .
المسألة الثّالثة : احتجّ أبو مسلم بهذه الآية على أنّ علم اللّه تعالى في عباده وما يفعلونه ليس بحجّة لهم فيما يرتكبون ، فإنّهم مستطيعون لأن يفعلوا الخير الّذي أمروا به ، ويتركوا ضدّه الّذي نهوا عنه .
واحتجّ أصحابنا به على القول بتكليف ما لا يطاق ، وهو أنّه تعالى أخبر عنهم بأنّهم لا يتّبعون قبلته ، فلو اتّبعوا قبلته لزم انقلاب خبر اللّه الصّدق كذبا ، وعلمه جهلا ، وهو محال ، ومستلزم المحال محال ، فكان ذلك محالا ، وقد أمروا به ، فقد أمروا بالمحال . وتمام القول فيه مذكور في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
البقرة : 6 .
المسألة الرّابعة : إنّما حكم اللّه تعالى عليهم بأنّهم لا يرجعون عن أباطيلهم بسبب البرهان ، وذلك لأنّ إعراضهم عن قبول هذا الدّين ليس عن شبهة يزيلها بإيراد الحجّة ، بل هو محض المكابرة والعناد والحسد ،