أنّهم لا يتّبعونك أصلا - وإن أتيت بكلّ حجّة - فاندفع ما قيل : كيف حكم بأنّهم لا يتّبعون وقد آمن منهم فريق . واستغنى عن القول بأنّ ذلك في قوم مخصوصين أو حكم على الكلّ دون الأبعاض ، فإنّه تكلّف مستغنى عنه ، وإضافة القبلة إلى ضميره صلّى اللّه عليه وسلّم لأنّ اللّه تعالى تعبّده باستقبالها .
وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ
أي لا يكون ذلك منك ومحال أن يكون ، فالجملة خبريّة لفظا ومعنى سيقت لتأكيد حقّيّة أمر القبلة كلّ التّأكيد ، وقطع تمنّي أهل الكتاب ، فإنّهم قالوا : يا محمّد عد إلى قبلتنا ونؤمن بك ونتّبعك ، مخادعة منهم لعنهم اللّه تعالى ، وفيها إشارة إلى أنّ هذه القبلة لا تصير منسوخة أبدا .
وقيل : إنّها خبريّة لفظا إنشائيّة معنى ، ومعناها النّهي ، أي لا تتّبع قبلتهم ، أي داوم على عدم اتّباعها .
[ ثمّ قال نحو الزّمخشريّ في
وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ
] ( 2 : 11 )
الطّباطبائيّ :
وَلَئِنْ أَتَيْتَ . . . ،
تقريع لهم بالعناد واللّجاج ، وإنّ إباءهم عن القبول ليس لخفاء الحقّ عليهم ، وعدم تبيّنه لهم ، فإنّهم عالمون بأنّه حقّ علما لا يخالطه شكّ ، بل الباعث لهم على بثّ الاعتراض وإثارة الفتنة عنادهم في الدّين وجحودهم للحقّ ، فلا ينفعهم حجّة ، ولا يقطع إنكارهم آية ، فلو أتيتهم بكلّ آية ما تبعوا قبلتك لعنادهم وجحودهم ،
وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ،
لأنّك على بيّنة من ربّك ، ويمكن أن يكون قوله : ( وما أنت ) نهيا في صورة خبر ،
وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ،
وهم اليهود يستقبلون صخرة بيت المقدس أينما كانوا ، والنّصارى يستقبلون المشرق أينما كانوا ، فلا هذا البعض يقبل قبلة ذاك البعض ، ولا ذاك يقبل قبلة هذا اتّباعا للهوى . ( 1 : 326 )
التّابعين
. . . أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ . . .
النّور : 31
لاحظ « أر ب » .
تبيعا
أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً .
الإسراء : 69
ابن عبّاس : يقول : نصيرا . ( الطّبريّ 15 : 125 )
ثائرا ولا نصيرا . ( الميبديّ 5 : 581 )
مجاهد : ثائرا . ( الطّبريّ 15 : 125 )
قتادة : أي لا نخاف أن نتبع بشيء من ذلك .
لا يتبعنا أحد بشيء من ذلك . ( الطّبريّ 15 : 125 )
الفرّاء : يقال : ثائرا وطالبا ، فتبيع في معنى تابع .
( 2 : 127 )
أبو عبيدة : أي من يتبعنا لكم تبيعة ، ولا طالبا لنا بها . ( 1 : 385 )
نحوه ابن قتيبة ( 259 ) ، والطّبريّ ( 15 : 125 ) ، وشبّر ( 4 : 38 ) .
الطّبريّ : ثمّ لا تجدوا لكم علينا تابعا يتبعنا بما فعلنا بكم ، ولا ثائرا يثأرنا بإهلاكنا إيّاكم .