أنّ قوله :
وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ
ينفي أن يكون أحد منهم قد اتّبع قبلة الآخر ، لكن ذلك قد وقع فيفضي إلى الخلف .
وجوابه : أنّا إن حملنا أهل الكتاب على علمائهم الّذين كانوا في ذلك الزّمان ، فلم يثبت عندنا أنّ أحدا منهم يتّبع قبلة الآخر ، فالخلف غير لازم . وإن حملناه على الكلّ ، قلنا : إنّه عامّ دخله التّخصيص .
( الفخر الرّازيّ 4 : 142 )
الطّوسيّ : فإن قيل : كيف قال :
. . . ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ
وقد آمن منهم خلق ؟
قلنا : عن ذلك جوابان :
أحدهما : [ قول الحسن المتقدّم ] ، والثّاني : [ قول الزّجّاج واختاره البلخيّ وقد تقدّم ]
وهذه الآية دالّة على فساد قول من قال : لا يكون الوعيد بشرط ، وعلى فساد قول من قال : بالموافاة ، وإنّ من علم اللّه أنّه يؤمّن من لا يستحقّ العقاب أصلا ، لأنّ اللّه تعالى علّق الوعيد بشرط يوجب أن يكون متى يحصل الشّرط يحصل استحقاق العقاب . وفيها دليل على فساد قول من قال : إنّ الوعيد لا يقع لمن علم أنّه لا يعصي ، لأنّ اللّه تعالى علم من حال الرّسول أنّه لا يتّبع أهواءهم ، ومع هذا توعدّه إن اتّبع أهواءهم .
وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال : إنّ في المقدور لطفا ، لو فعل اللّه بالكافر لآمن لا محالة ، من قبل أنّه قيل في قوله :
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ . . .
قولان :
أحدهما : أنّ المعاند لا ينفعه الدّلالة لأنّه عارف ، والآخر أنّه لا لطف لهم فتلتمسه ليؤمنوا .
وعلى القولين فيه دلالة على فساد قول أصحاب اللّطف ، لأنّ مخرجه مخرج التّنصّل من التّخليف عنهم ما يؤمنون عنده طوعا ، فلو قال قائل : وما في أنّ الآية لا ينفعهم في الإيمان لطف ينفعهم فيه لكان لا يسقط سؤاله ، إلّا بأن يقال : لا لطف لهم كما لا آية تنفعهم . [ إلى أن قال : ]
وقوله :
وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ
قيل : في معناه أربعة أقوال :
أوّلها : أنّه لمّا قال :
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ . . .
على وجه المقابلة ، كما تقول : ما هم بتاركي إنكار الحقّ وما أنت بتارك الاعتراف به ؛ فيكون الّذي جرّ الكلام التّقابل للكلام الأوّل ، وذلك حسن من كلام البلغاء .
الثّاني : أن يكون المراد أنّه ليس يمكنك استصلاحهم باتّباع قبلتهم لاختلاف وجهتهم ، لأنّ النّصارى يتوجّهون إلى المشرق ، واليهود إلى بيت المقدس ، فبيّن اللّه تعالى : أنّ رضا الفريقين محال .
الثّالث : أن يكون المراد حسم طمع أهل الكتاب من اليهود ؛ إذ كانوا طمعوا في ذلك وظنّوا أنّه يرجع إلى الصّلاة إلى بيت المقدس ، وماجوا في ذكره .
الرّابع : أنّه لمّا كان النّسخ مجوّزا قبل نزول هذه الآية ، فأنزل اللّه تعالى الآية ليرتفع ذلك التّجوّز .
وقوله :
وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ
قيل : في معناه قولان :
أحدهما : [ قول الحسن والسّدّيّ وقد تقدّم ]
وقال غيرهم : معناه إسقاط الاعتلال بأنّه مخالفة