لأهل الكتاب الّذين ورثوا ذلك عن أنبياء اللّه بأمره إيّاهم به ، فكلّما جاز أن يخالف بين وجهتهم للاستصلاح ، جاز أن يخالف بوجهة ثالثة للاستصلاح في بعض الأزمان . ( 2 : 18 )
الزّمخشريّ : ( ما تبعوا ) جواب القسم المحذوف ، سدّ مسدّ جواب الشّرط . ( بكلّ اية ) : بكلّ برهان قاطع أنّ التّوجّه إلى الكعبة هو الحقّ ،
ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ
لأنّ تركهم اتّباعك ليس عن شبهة تنزيلها بإيراد الحجّة ، إنّما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنّك على الحقّ .
وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ
حسم لأطماعهم ؛ إذ كانوا ماجوا في ذلك ، وقالوا : لو ثبت على قبلتنا لكنّا نرجو أن يكون صاحبنا الّذي ننتظره ، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم . وقرئ ( بتابع قبلتهم ) على الإضافة .
وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ
يعني أنّهم مع اتّفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة ، لا يرجى اتّفاقهم كما لا ترجى موافقتهم لك ، وذلك أنّ اليهود تستقبل بيت المقدس والنّصارى مطلع الشّمس .
أخبر عزّ وجلّ عن تصلّب كلّ حزب فيما هو فيه وثباته عليه ، فالمحقّ منهم لا يزلّ عن مذهبه لتمسّكه بالبرهان ، والمبطل لا يقلع عن باطله لشدّة شكيمته في عناده . ( 1 : 320 )
نحوه البيضاويّ ( 1 : 88 ) ، والنّسفيّ ( 1 : 80 ) ، والشّربينيّ ( 1 : 102 ) ، والبروسويّ ( 1 : 352 ) .
ابن عطيّة : أعلم اللّه تعالى نبيّه حين قالت له اليهود : راجع بيت المقدس ونؤمن بك ، مخادعة منهم أنّهم لا يتّبعون له قبلة ، يعني جملتهم ، لأنّ البعض قد اتّبع كعبد اللّه بن سلام وغيره وأنّهم لا يدينون بدينه ، أي فلا تصغ إليهم .
وقوله تعالى جلّت قدرته :
وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ
لفظ خبر يتضمّن الأمر ، أي فلا تركن إلى شيء من ذلك . وقوله تعالى :
وَما بَعْضُهُمْ . . .
قال غيرهما [ السّدّيّ وابن زيد ] معنى الآية : وما من أسلم معك منهم بمتّبع قبلة من لم يسلم ، ولا من لم يسلم بمتّبع قبلة من أسلم .
والأوّل أظهر في الأبعاض ، وقبلة النّصارى مشرق الشّمس وقبلة اليهود بيت المقدس . ( 1 : 222 )
الطّبرسيّ : [ نحو الطّوسيّ إلّا أنّه قال في تأويل قوله :
وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ
]
ويحتمل أيضا أن يجري الكلام على الظّاهر ، لأنّه لم يثبت أنّ يهوديّا تنصّر ولا أنّ نصرانيّا تهوّد ، فلا ضرورة بنا إلى العدول من الظّاهر إلى التّأويل .
( 1 : 229 )
الفخر الرّازيّ : في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في قوله :
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ . . .
فقال الأصمّ : المراد علماؤهم الّذين أخبر اللّه تعالى عنهم في الآية المتقدّمة بقوله :
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ
البقرة : 144 .
واحتجّ عليه بوجوه :
أحدها : قوله :
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ
البقرة :
120 ، فوصفهم بأنّهم يتّبعون الهوى ، ومن اعتقد في الباطل أنّه حقّ فإنّه لا يكون متّبعا لهوى النّفس ، بل