وذلك لا يزول بإيراد الدّلائل .
المسألة الخامسة : اختلفوا في قوله :
ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ،
قال الحسن والجبّائيّ : أراد جميعهم ، كأنّه قال : لا يجتمعون على اتّباع قبلتك ، على نحو قوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى
الأنعام : 35 .
وقال الأصمّ وغيره : بل المراد أنّ أحدا منهم لا يؤمن .
قال القاضي : إنّ أريد بأهل الكتاب كلّهم العلماء منهم والعوامّ ، فلا بدّ من تأويل الحسن ، وإن أريد به العلماء ، نظرنا فإن كان في علمائهم المخاطبين بهذه الآية من قد آمن ، وجب أيضا ذلك التّأويل ، وإن لم يكن فيهم من قد آمن ، صحّ إجراؤه على ظاهره في رجوع النّفي إلى كلّ واحد منهم ، لأنّ ذلك أليق بالظّاهر ؛ إذ لا فرق بين قوله :
ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ،
وبين قوله : ما تبع أحد منهم قبلتك . [ إلى أن قال : ]
أمّا قوله تعالى :
وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ
ففيه أقوال :
الأوّل : أنّه دفع لتجويز النّسخ ، وبيان أنّ هذه القبلة لا تصير منسوخة .
والثّاني : حسما لأطماع أهل الكتاب فإنّهم قالوا :
لو ثبت على قبلتنا لكنّا نرجو أن تكون صاحبنا الّذي ننتظره ، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم .
الثّالث : المقابلة يعني ما هم بتاركي باطلهم وما أنت بتارك حقّك .
الرّابع : أراد أنّه لا يجب عليك استصلاحهم باتّباع قبلتهم ، لأنّ ذلك معصية .
الخامس : وما أنت بتابع قبلة جميع أهل الكتاب من اليهود والنّصارى ، لأنّ قبلة اليهود مخالفة لقبلة النّصارى ، فلليهود بيت المقدس ، وللنّصارى المشرق ، فألزم قبلتك ودع أقوالهم . ( 4 : 139 - 141 )
نحوه أبو حيّان . ( 1 : 430 )
ابن كثير : إخبار عن شدّة متابعة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لما أمره اللّه تعالى به ، وأنّه كما هم مستمسكون بآرائهم وأهوائهم ، فهو أيضا مستمسك بأمر اللّه وطاعته واتّباع مرضاته ، وأنّه لا يتّبع أهواءهم في جميع أحواله ولا كونه متوجّها إلى بيت المقدس لكونها قبلة اليهود ، وإنّما ذلك عن أمر اللّه تعالى . ( 1 : 341 )
أبو السّعود : [ نحو الزّمخشريّ وأضاف : ]
وإيثار الجملة الاسميّة للدّلالة على دوام مضمونها واستمراره ، وإفراد قبلتهم مع تعدّدها باعتبار اتّحادها في البطلان ومخالفة الحقّ ، ولئلّا يتوهّم أنّ مدار النّفي هو التّعدّد . وقرئ ( بتابع قبلتهم ) على الإضافة . ( 1 : 216 )
الآلوسيّ :
ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ
جواب القسم سادّ مسدّ جواب الشّرط ، لا جواب الشّرط ، لما تقرّر أنّ الجواب إذا كان القسم مقدّما للقسم لا للشّرط إن لم يكن مانع ، فكيف إذا كان كترك الفاء هاهنا فإنّها لازمة في الماضي المنفيّ إذا وقع جزاء ، وهذا تسلية للنّبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم عن قبولهم الحقّ ، والمعنى أنّهم ما تركوا ( قبلتك ) لشبهة تدفعها بحجّة وإنّما خالفوك لمحض العناد وبحت المكابرة .
وليس المراد من التّعليق بالشّرط الإخبار عن عدم متابعتهم على أبلغ وجه وآكده ، بأن يكون المعنى