إذا خرج لحاجة الإنسان - وهو ملتزم للاعتكاف في المسجد معتقد له - رخّص له في حاجة الإنسان ، للضّرورة الدّاعية إليه ، وبقي سائر أفعال الاعتكاف كلّها على أصل المنع . ( 1 : 96 )
الفخر الرّازيّ : اعلم أنّه تعالى لمّا بيّن الصّوم ، وبيّن أنّ من حكمه تحريم المباشرة ، كان يجوز أن يظنّ في الاعتكاف أنّ حاله كحال الصّوم في أنّ الجماع يحرم فيه نهارا لا ليلا ، فبيّن تعالى تحريم المباشرة فيه نهارا وليلا ، فقال :
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ .
لو لمس الرّجل المرأة بغير شهوة جاز ، لأنّ عائشة رضي اللّه عنها كانت ترجّل رأس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو معتكف . وأمّا إذا لمسها بشهوة أو قبّلها أو باشرها فيما دون الفرج ، فهو حرام على المعتكف .
وهل يبطل بها اعتكافه ؟ للشّافعيّ رحمه اللّه فيه قولان : الأصحّ أنّه يبطل . وقال أبو حنيفة : لا يفسد الاعتكاف إذا لم ينزل .
احتجّ من قال بالإفساد أنّ الأصل في لفظ « المباشرة » ملاقاة البشرتين ، فقوله :
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ
منع من هذه الحقيقة ، فيدخل فيه الجماع وسائر هذه الأمور ، لأنّ مسمّى المباشرة حاصل في كلّها .
فإن قيل : لم حملتم المباشرة في الآية المتقدّمة على الجماع ؟
قلنا : لأنّ ما قبل الآية يدلّ على أنّه هو الجماع ، وهو قوله :
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ
وسبب نزول تلك الآية يدلّ على أنّه هو الجماع ، ثمّ لمّا أذن في الجماع كان ذلك إذنا فيما دون الجماع بطريق الأولى . أمّا هاهنا فلم يوجد شيء من هذه القرائن ، فوجب إبقاء لفظ المباشرة على موضعه الأصليّ .
وحجّة من قال : إنّها لا تبطل الاعتكاف ، أجمعنا على أنّ هذه المباشرة لا تفسد الصّوم والحجّ ، فوجب أن لا تفسد الاعتكاف ، لأنّ الاعتكاف ليس أعلى درجة منهما .
والجواب : أنّ النّصّ مقدّم على القياس . ( 5 : 124 )
القرطبيّ : بيّن جلّ تعالى أنّ الجماع يفسد الاعتكاف ، وأجمع أهل العلم على أنّ من جامع امرأته وهو معتكف عامدا لذلك في فرجها أنّه مفسد لاعتكافه .
واختلفوا فيما عليه إذا فعل ذلك ، فقال الحسن البصريّ والزّهريّ : عليه ما على المواقع أهله في رمضان .
فأمّا المباشرة من غير جماع فإن قصد بها التّلذّذ فهي مكروهة ، وإن لم يقصد لم يكره ، لأنّ عائشة كانت ترجّل رأس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو معتكف ، وكانت لا محالة تمسّ بدن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيدها ، فدلّ بذلك على أنّ المباشرة بغير شهوة غير محظورة ، هذا قول عطاء والشّافعيّ وابن المنذر .
قال أبو عمر : وأجمعوا على أنّ المعتكف لا يباشر ولا يقبّل .
واختلفوا فيما عليه إن فعل ، فقال مالك والشّافعيّ :
إن فعل شيئا من ذلك فسد اعتكافه ، قاله المزنيّ . وقال في موضع آخر من مسائل الاعتكاف : لا يفسد الاعتكاف من الوطء إلّا ما يوجب الحدّ ، واختاره المزنيّ قياسا على أصله في الحجّ والصّوم . ( 2 : 332 )