تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 606

مساهمون:

ص٦٠٦
ذلك بقوله :
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ،
وهذا من قولهم يدلّ على أنّهم عقلوا من مراد الآية الجماع ، دون اللّمس والمباشرة باليد . ويدلّ على أنّ المباشرة لغير شهوة مباحة للمعتكف حديث الزّهريّ عن عروة عن عائشة : أنّها كانت ترجّل رأس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو معتكف ، فكانت لا محالة تمسّ بدن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيدها ، فدلّ على أنّ المباشرة لغير شهوة غير محظورة على المعتكف . وأيضا لمّا ثبت أنّ الاعتكاف بمعنى الصّوم في باب حظر الجماع ، ولم يكن الصّوم مانعا من المباشرة أو القبلة لغير شهوة إذا أمن على نفسه - وروي ذلك عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في آثار مستفيضة - وجب أن لا يمنع الاعتكاف القبلة لغير شهوة . ولمّا كانت المباشرة والقبلة لشهوة محظورتين في الصّوم ، وجب أن يكون ذلك حكمهما في الاعتكاف . ولمّا كانت المباشرة في الصّوم إذا حدث عنها إنزال فسد الصّوم ، وجب أن يفسد الاعتكاف ، لأنّ الاعتكاف والصّوم قد جريا مجرى واحدا في اختصاصهما بحظر الجماع ، دون دواعيه من الطّيب ودون اللّباس . ( 1 : 246 ) الطّوسيّ : قوله تعالى :
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ
قيل : في معناه قولان هاهنا : قال ابن عبّاس ، والضّحّاك ، والحسن ، وقتادة ، وغيرهم : أراد به الجماع . وقال ابن زيد ومالك : أراد الجماع ، وكلّما كان دونه من قبلة وغيرها ، وهو مذهبنا . ( 2 : 135 ) مثله الطّبرسيّ . ( 1 : 281 ) الزّمخشريّ : المراد بالمباشرة : الجماع لما تقدّم من قوله :
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ . . .
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ .
وقيل : معناه ولا تلامسوهنّ بشهوة . والجماع يفسد الاعتكاف ، وكذلك إذا لمس أو قبّل فأنزل . ( 1 : 339 ) ابن العربيّ : فإن قيل : قلتم في قوله تعالى :
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ
إنّ المراد به الجماع ، وقلتم في قوله تعالى :
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ
إنّه اللّمس والقبلة ، فكيف هذا التّناقض ؟ قلنا : كذلك نقول في قوله تعالى :
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ
إنّها المباشرة بأسرها صغيرها وكبيرها . ولولا أنّ السّنّة قضت على عمومها ماروت عائشة وأمّ سلمة في جواز القبلة للصّائم من فعل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وقوله : وبإذن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لعمر بن أبي سلمة في القبلة وهو صائم ، فخصّصناها . فأمّا قوله تعالى :
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ
فقد بقيت على عمومها وعضدتها أدلّة سواها ، وهي أنّ الاعتكاف مبنيّ على ركنين : أحدهما : ترك الأعمال المباحة بإجماع . الثّاني : ترك سائر العبادات سواه ممّا يقطعه ويخرج به عن بابه ، فإذا كانت العبادات تؤثّر فيه ، والمباحات لا تجوز معه ، فالشّهوات أحرى أن تمنع فيه . قوله تعالى :
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ
فحرّم اللّه تعالى المباشرة في المسجد ، وذلك يحرم خارج المسجد ، لأنّ معنى الآية : ولا تباشروهنّ وأنتم ملتزمون الاعتكاف في المسجد معتقدون له ، فهو