الّتي لا تجيب تنبيه المخاطبين وتوكيد القصّة ، فإذا قلت :
يا عجباه ، فكأنّك قلت : أعجبوا .
الثّاني : قال أبو عليّ : كأنّه يقول : يا أيّتها البشرى هذا الوقت وقتك ، ولو كنت ممّن يخاطب لخوطبت الآن ، ولأمرت بالحضور .
واعلم أنّ سبب البشارة هو أنّهم وجدوا غلاما في غاية الحسن ، وقالوا : نبيعه بثمن عظيم ، ويصير ذلك سببا لحصول الغنى .
والقول الثّاني : وهو الّذي ذكره السّدّيّ أنّ الّذي نادى صاحبه وكان اسمه ، فقال : يا بشرى ، كما تقول :
يا زيد . وعن الأعمش أنّه قال : دعا امرأة اسمها بشرى ( يا بشرى ) .
قال أبو عليّ الفارسيّ : إن جعلنا ( البشرى ) اسما للبشارة - وهو الوجه - جاز أن يكون في محلّ الرّفع ، كما قيل : يا رجل ، لاختصاصه بالنّداء ، وجاز أن يكون في موضع النّصب على تقدير : أنّه جعل ذلك النّداء شائعا في جنس البشرى ، ولم يخصّ ، كما تقول : يا رجلا و
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ
يس : 30 . ( 18 : 105 )
القرطبيّ : ( يا بشراي هذا غلام ) هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة ، إلّا ابن أبي إسحاق فإنّه قرأ ( يا بشريّ هذا غلام ) فقلب الألف ياء ، لأنّ هذه الياء يكسر ما قبلها ، فلمّا لم يجز كسر الألف كان قلبها عوضا .
وقرأ أهل الكوفة ( يا بشرى ) غير مضاف ، وفي معناه قولان :
أحدهما : اسم الغلام ، والثّاني : معناه يا أيّتها البشرى هذا حينك وأوانك .
قال قتادة والسّدّيّ : لمّا أدلى المدلي دلوه تعلّق بها يوسف ، فقال :
يا بُشْرى هذا غُلامٌ .
قال قتادة : بشّر أصحابه بأنّه وجد عبدا ، وقال السّدّيّ : نادى رجلا اسمه ( بشرى ) .
قال النّحّاس : قول قتادة أولى ، لأنّه لم يأت في القرآن تسمية أحد إلّا يسيرا ، وإنّما يأتي بالكناية ، كما قال عزّ وجلّ :
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ
الفرقان : 27 ، وهو عقبة بن أبي معيط ، وبعده
يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا
الفرقان : 28 ، وهو أميّة بن خلف ، قاله النّحّاس .
والمعنى في نداء البشرى : التّبشير لمن حضر ، وهو أوكد من قولك : تبشّرت ، كما تقول : يا عجباه ، أي يا عجب هذا من أيّامك ومن آياتك ، فاحضر ، وهذا مذهب سيبويه ، وكذا قال السّهيليّ .
وقيل : هو كما تقول : واسروراه . وأنّ « البشرى » مصدر من الاستبشار ، وهذا أصحّ ، لأنّه لو كان اسما علما لم يكن مضافا إلى ضمير المتكلّم ، وعلى هذا يكون ( بشراي ) في موضع نصب ، لأنّه نداء مضاف ، ومعنى النّداء هاهنا التّنبيه ، أي انتبهوا لفرحتي وسروري .
وعلى قول السّدّيّ يكون في موضع رفع ، كما تقول :
يا زيد هذا غلام . ويجوز أن يكون محلّه نصبا ، كقولك :
يا رجلا ، وقوله :
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ
يس : 30 ، ولكنّه لم ينوّن ( بشرى ) لأنّه لا ينصرف . ( 9 : 153 )
الآلوسيّ : نادى « البشرى » بشارة لنفسه أو لقومه ورفقته ، كأنّه نزّلها منزلة شخص فناداه ، فهو استعارة مكنيّة وتخييليّة ، أي يا بشرى تعالي ، فهذا أوان