ابن عطيّة : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ( يا بشراي ) بإضافة البشرى إلى المتكلّم ، وبفتح الياء على نداءها ، كأنّه يقول : احضري فهذا وقتك ، وهذا نحو قوله :
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ
يس : 30 .
وروى ورش عن نافع ( يا بشراي ) بسكون الياء .
قال أبو عليّ : وفيها جمع بين ساكنين على حدّ : دابّة وشابّة ، ووجه ذلك أنّه يجوز أن تختصّ بها الألف لزيادة المدّ الّذي فيها على المدّ الّذي في أختيها ، كما اختصّت في القوافي بالتّأسيس ، واختصّت في تخفيف الهمزة نحو هبأة ، وليس شيء من ذلك في الياء والواو .
وقرأ أبو الطّفيل والجحدريّ وابن أبي إسحاق والحسن ( يا بشريّ ) تقلب الألف ياء ، ثمّ تدغم في ياء الإضافة ، وهي لغة فاشية .
وقرأ حمزة والكسائيّ ( يا بشري ) ويميلان ولا يضيفان . وقرأ عاصم كذلك إلّا أنّه يفتح الرّاء ولا يميل .
واختلف في تأويل هذه القراءة ، فقال السّدّيّ : كان في أصحاب هذا الوارد رجل اسمه بشرى ، فناداه وأعلمه بالغلام ، وقيل : هو على نداء البشرى ، كما قدّمنا .
( 3 : 228 )
أبو البركات : قرئ ( يا بشرايّ ) بتشديد الياء ، و ( يا بشرى ) بغير ياء .
فمن قرأ : ( يا بشرايّ ) كان منادى مضافا ، وكذلك قراءة من قرأ : ( بشريّ ) بتشديد الياء ، لأنّ أصله :
( يا بشراي ) إلّا أنّه لمّا كانت ياء الإضافة لا يكون ما قبلها إلّا مكسورا قلبت الألف ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، ومثله قراءة من قرأ : ( فمن اتّبع هدى ) ، في هداي ، وذكر أنّها قراءة النّبيّ عليه السّلام .
ومن قرأ : ( يا بشرى ) بغير ياء ، كان منادى مفردا ، كأنّه جعل ( بشرى ) اسم المنادى ، نحو قولك : يا زيد .
ويجوز أن يكون نادى البشرى ، كأنّه قال : يا أيّتها البشرى .
والبشرى صفة « أيّة » فحذف الموصوف ، و « ها » الّتي للتّنبيه ، والألف واللّام من الصّفة ، فصار ( يا بشرى ) وكذلك ، يا « سكرى » وتقديره : يا أيّتها السّكرى ، ففعل به ما ذكرنا . وكذلك تقول : يا رجل ، وأصله : يا أيّها الرّجل ، فتحذف « أيّ » الموصوف ، و « ها » الّتي للتّنبيه ، والألف واللّام ، فيبقى يا رجل .
ولهذه الحذوف لا يجوز حذف النّداء من هذا النّحو ، فإنّك لو قلت : بشرى في « يا بشرى » ، وسكرى في « يا سكرى » ورجل في « يا رجل » ، لم يجز ، لما فيه من الإفراط في الحذف ، وكان هو أولى بالتّبقية لما فيه من الدّلالة على غيره من المحذوف ، وليس في غيره ما يدلّ على حذفه ، وكأنّه قال : يا أيّتها البشرى ، هذا أوانك .
( 2 : 36 )
الفخر الرّازيّ : في قوله : ( يا بشرى ) قولان :
القول الأوّل : أنّها كلمة تذكر عند البشارة ، ونظيره قولهم : يا عجبا من كذا ، وقوله :
يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ
يوسف : 84 ، وعلى هذا القول ففي تفسير النّداء وجهان :
الأوّل : قال الزّجّاج : معنى النّداء في هذه الأشياء