وليتأمّل كم عدد الصّفوف المحيطة بهذه الدّائرة حال اشتغالهم بالصّلاة ، ولا شكّ أنّه يحصل فيما بين هؤلاء المصلّين أشخاص أرواحهم علويّة ، وقلوبهم قدسيّة ، وأسرارهم نورانيّة ، وضمائرهم ربّانيّة .
ثمّ إنّ تلك الأرواح الصّافية إذا توجّهت إلى كعبة المعرفة ، وأجسادهم توجّهت إلى هذه الكعبة الحسّيّة ، فمن كان في الكعبة يتّصل أنوار أرواح أولئك المتوجّهين بنور روحه ، فتزداد الأنوار الإلهيّة في قلبه ، ويعظم لمعان الأضواء الرّوحانيّة في سرّه . وهذا بحر عظيم ومقام شريف ، وهو ينبّهك على معنى كونه مباركا .
وأمّا إن فسّرنا « البركة » بالدّوام ، فهو أيضا كذلك ، لأنّه لا تنفكّ الكعبة من الطّائفين والعاكفين والرّكّع السّجود .
وأيضا الأرض كرة ، وإذا كان كذلك ، فكلّ وقت يمكن أن يفرض ، فهو صبح لقوم ، وظهر لثان ، وعصر لثالث ، ومغرب لرابع ، وعشاء لخامس ، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن الكعبة منفكّة قطّ عن توجّه قوم إليها من طرف من أطراف العالم ، لأداء فرض الصّلاة ، فكان الدّوام حاصلا من هذا الجهة .
وأيضا بقاء الكعبة على هذا الحالة ألوفا من السّنين دوام أيضا ؛ فثبت كونه مباركا من الوجهين . ( 8 : 158 )
نحوه النّيسابوريّ ( 4 : 12 ) ، والآلوسيّ ( 5 : 4 ) .
ابن عربيّ : ذا بركة إلهيّة ، من الفيض المتّصل منه بجميع الوجود ، والقوّة ، والحياة . ( 1 : 203 )
القرطبيّ : جعله مباركا لتضاعف العمل فيه ، فالبركة : كثرة الخير .
ونصب على الحال من المضمر في ( وضع ) ، أو بالظّرف من ( بكّة ) ، المعنى الّذي استقرّ
بِبَكَّةَ مُبارَكاً .
ويجوز في غير القرآن مبارك ، على أن يكون خبرا ثانيا ، أو على البدل من ( الّذى ) أو على إضمار مبتدإ . [ إلى أن قال : ]
ويجوز في غير القرآن « مبارك » بالخفض ، يكون نعتا للبيت . ( 4 : 139 )
رشيد رضا : هو بيان لحاله الحسنة الحسّيّة وحاله الشّريفة المعنويّة .
أمّا الأولى : فهي ما أفيض عليه من بركات الأرض وثمرات كلّ شيء ، على كونه بواد غير ذي زرع ، فترى الأقوات والثّمار في مكّة أكثر وأجود ، وأقلّ ثمنا منها في مثل مصر وكثير من بلاد الشّام .
وأمّا الثّانية : فهي هوى أفئدة النّاس إليه ، وإتيانه للحجّ والعمرة ، مشاة وركبانا من كلّ فجّ ، وتولية وجوههم شطره في الصّلاة . ولعلّه لا تمرّ ساعة ولا دقيقة من ليل أو نهار وليس فيها أناس متوجّهون إلى ذلك البيت الحرام يصلّون .
فأيّ هداية للعالمين أظهر من هذه الهداية ، تلك دعوة إبراهيم
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
إبراهيم : 37 .
وقد أشير إلى الواصفين في قوله تعالى حكاية عن المشركين :
وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ