والهدروجين - تتبخّر من الأرض بما فيها من الحرارة ، فتلاقي في الجوّ برودة تجعلها ماء فينزل على الأرض كما وصفنا آنفا ، فيبرد من حرارتها ، وما زال كذلك حتّى صارت الأرض كلّها ماء ، وتكوّنت بعد ذلك اليابسة فيه ، وخرج النّبات والحيوان وكلّ شيء حيّ من الماء ، فهذا هو الإحياء الأوّل .
وأمّا الإحياء المستمرّ المشاهد في كلّ بقاع الأرض دائما فهو المشار إليه بمثل قوله تعالى :
وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
الحجّ : 5 ، وذلك إنّنا نرى كلّ أرض لا ينزل فيها المطر ولا تجري فيها المياه من الأراضي الممطورة لا في ظاهرها ولا في باطنها خالية من النّبات والحيوان ، إلّا أن يدخلها من أرض مجاورة لها ثمّ يعود منها .
فحياة الأحياء في الأرض إنّما هي بالماء سواء في ذلك الإحياء الأوّل عند تكوين العوالم الحيّة وإيجاد أصول الأنواع ، أو الإحياء المتجدّد في أشخاص هذه الأنواع ، وجزئيّاتها الّتي تتولّد وتنمي كلّ يوم .
وهذه المياه الّتي يتغذّى بها النّبات والحيوان على سطح هذه اليابسة كلّها من المطر ، ولا يستثنى من ذلك أرض مصر ، فيقال : إنّ حياتها بماء النّيل دون المطر ، فإنّ مياه الأنهار والعيون الّتي تنبع من الأرض كلّها من المطر ، فهو يتخلّل الأرض فيجتمع فيندفع . وقد امتنّ اللّه تعالى بذلك علينا وأرشدنا إلى آيته فيه ، بقوله :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ
الزّمر : 21 . فالبحيرات الّتي هي ينابيع النّيل من ماء المطر ، والزّيادة الّتي تكون فيه أيّام الفيضان هي من المطر الّذي يمدّ هذه الينابيع ، ويمدّ النّهر نفسه في مجراه من بلاد السّودان . وكثرة الفيضان وقلّته تابعة لكثرة المطر السّنويّ وقلّته هناك .
هذا هو الماء في كونه مطرا ، وفي كونه سببا للحياة ، وهو آية في كيفيّة وجوده وتكوّنه ، فإنّه يجري في ذلك على سنّة إلهيّة حكيمة تدلّ على الوحدة والرّحمة ، ثمّ إنّه آية في تأثيره في العوالم الحيّة أيضا .
فإنّ هذا النّبات يسقى بماء واحد هو مصدر حياته ، ثمّ هو مختلف في ألوانه وطعومه وروائحه ، فتجد في الأرض الواحدة نبتة الحنظل مع نبتة البطّيخ ، متشابهتين في الصّورة متضادّتين في الطّعم ، وتجد النّخلة وتمرها ما تذوق حلاوة ولذّة ، وتجد في جانبها شجرة اللّيمون الحامض والنّارنج وثمرها ما تعرف حموضة وملوحة ، وتجد بالقرب منهما شجرة الورد لها من الرّائحة ما ليس للنّخلة ، وما يخالف في أريجه زهر النّارنج بل يوجد في الشّجر ماله زهر ذكيّ الرّائحة ، فإذا قطعت الغصن الّذي فيه هذا الزّهر تنبعث منه رائحة خبيثة .
فتلك السّنن الّتي يتكوّن بها المطر وينزل جارية بنظام واحد دقيق ، وكذلك طرق تغذّي النّبات بالماء هي جارية بنظام واحد ، فوحدة النّظام وعدم الخلل فيه تدلّ على أنّ مصدره واحد ، فهو من هذه الجهة يدلّ على الوحدانيّة الكاملة ، ومن جهة ما للخلق فيه من المنافع والمرافق يدلّ على الرّحمة الإلهيّة الشّاملة . وقل مثل هذا فيما بثّ اللّه تعالى في الأرض من كلّ دابّة ، فإنّها آيات على الوحدة ، ودلائل وجوديّة على عموم