وطبق هذا القول فإنّه كان يلبس المسوح دائما ، وهذا يدلّل على أنّه انقطع تماما إلى العبادة ، ونستطيع أن نعدّه رائد الصّوفيّين الأوائل وقد حرّم على نفسه شرب الخمر . وكان الدّين الّذي يبحث عنه هو دين الحنييفة ، وهو ينسب إلى إبراهيم وإسماعيل .
ولمّا ظهر النّبيّ محمّد [ صلّى اللّه عليه واله ] ، من بين العرب استشاط غضبا وأصيب بالخيبة ، وطفق يعادي الإسلام .
وحضّته قريش على الوقوف في وجه الرّسول صلّى اللّه عليه واله وأنشد شعرا في رثاء المشركين الّذين قتلوا في غزوة بدر ، ومنهم عتبة وشيبة ابنا خالته ، وزجّ بقبيلته في الحرب ضدّ الرّسول صلّى اللّه عليه واله ، فامتشقوا سيوفهم للثّأر بهذين القتيلين ، ثمّ فرّ إلى اليمن الّتي كانت تعدّ مأواه .
وبقي إلى آخر عمره يعادي الرّسول صلّى اللّه عليه واله ، وقيل : إنّه لمّا دنا أجله قال : هذه المرضة منيّتي ، وأنا أعلم أنّ الحنيفيّة حقّ ، ولكنّ الشّكّ يداخلني في محمّد [ صلّى اللّه عليه واله ] .
وحول المفهوم الحنيفيّ للّه يجدر بنا أن نعلم أنّ الحنفاء يعتقدون - كما يقول هذا الشّاعر - بأنّه « إله العالمين » و « خالق » كلّ شيء وجميع الخلق عبيده :
هو اللّه باري الخلق والخلق كلّهم * إماء له طوعا جميعا وأعبد
فهو يعني أنّ اللّه « ربّ العباد » .
وهو ملك السّماوات والأرض ، وجميع الورى يخضعون لقدرته المطلقة . وبهذه الهيئة الجليلة للفظ « اللّه » قرن كلمة عجيبة بتعبير ابن قتيبة المارّ الذّكر ، ممّا أثار حفيظة اللّغويّين في العصر العبّاسيّ . وهذه الكلمة هي « السّليطط » السّريانيّة ، وقد وردت في البيت التّالي :
إنّ الأنام رعايا اللّه كلّهم * هو السّليطط فوق الأرض مستطر
وأهمّ من هذا كلّه هو أنّه أحد ولا نظير لوحدانيّته ولا ندّ .
أظنّ أنّنا أصبحنا حاليّا في وضع أحسن لدرك هذا الأمر ، وهو أنّ القرآن كلّما يشير إلى اسم « اللّه » تكون إشارته قاطعة لا يشوبها شكّ أو ترديد ، وهذا يعني أنّه لا يسرد كلمة غريبة لدى المخاطبين ؛ حيث كان يلحّ على المشركين ليصحّحوا اعتقادهم باللّه ، وحينما لم ينصاعوا لذلك أنحى عليهم باللّائمة . وننقل الآية أدناه كمثال لذلك إلحاقا للأمثلة الّتي أوردناها :
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
المؤمنون :
84 ، 85
إنّ عبارة ( أفلا تذكّرون ) نظير ( أفلا تعقلون ) الّتي وردت في القرآن كثيرا ، وكان ورودها في الآيات الّتي تتعرّض لتوبيخ المشركين وتقريعهم ، وهم لا يستطيعون أو لا يريدون درك حقيقة « اللّه » بالرّغم من تمتّعهم بفهم حقيقيّ حوله .
وتوضّح الآية التّالية هذا المفهوم أكثر من الآية السّابقة :
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ
المؤمنون : 88 ، 89
( خدا وانسان در قرآن : 119 - 150 )