السّامي للّه شائعا بين العرب أو كان في طريقه إلى الشّيوع والانتشار ، وهذا يعدّ بحدّ ذاته نقطة تعاطف بين المفهومين المختلفين حول اللّه . وأنّ مفهوم اللّه عند الوثنيّين العرب بكونه خالق السّماوات والأرض ومنزل المطر الّذي يكون سببا للخيرات وما ينفع البشر ، وربّ قدير يرعى الأيمان ويطّلع على قدسيّتها واحترامها ، وبيده الأمر والنّهي ، وموجد بعض الآداب والشّعائر الدّينيّة القديمة ، وربّ عظيم مهيمن على جميع العالم وله مقاليد كلّ شيء ، كان ينمو تدريجيّا ويتكامل شيئا فشيئا ، وفي القرآن نفسه شواهد كثيرة لذلك . ولا يوجد دليل قانع لإنكار هذه الحقيقة القائلة : بأنّ كلّ ذلك كان جزء من الدّين الوثنيّ العربيّ المحلّيّ ، وكانت على درجة من الوضوح ؛ بحيث إنّها كانت تشكّل أسمى وأفضل ركن لذلك الدّين .
هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإنّ مفهوم توحيد اللّه قد شاع بين العرب بصورة متواصلة ، فإذا لم يؤمنوا به كإيمان واعتقاد شخصيّ فهم كانوا مطّلعين لا محالة على مفهوم كهذا عند جيرانهم ، وبالنّتيجة فلابدّ أن يكونوا على بيّنة منه .
4 - المفهوم اليهوديّ - النّصرانيّ للّه عند الوثنيّين العرب :
نشرح هنا الحالة الّتي سبق أن بحثناها وهي الحالة الّتي كان عليها العرب من عبادة الأصنام ، لا هم يهود ولا نصارى ، فكانوا يخاطبون الأصنام بما يخاطب به اليهود والنّصارى اللّه . ويمكن أن نحدس في أنّ حالة كهذه لا تقع إلّا قليلا فيما لو أخذنا بنظر الاعتبار الوضع الثّقافيّ لذلك الزّمان . وليس لدينا وثيقة معتبرة من ذلك الظّرف يمكن بواسطتها الاطّلاع على كيفيّة تخاطب العرب فيما بينهم حول هذا الموضوع . إلّا أنّه يمكن مشاهدة بعض الشّواهد الملفتة للنّظر في آثار الشّعراء ، وخصوصا أولئك الّذين اعتادوا مدح الملوك المسيحيّين ، من ملوك الحيرة وملوك غسّان .
فالنّابغة الشّاعر البدويّ البسيط مثلا قد استعمل كلمة « اللّه » في بيت من شعره حينما مدح ملك الحيرة المسيحيّ النّعمان بن المنذر قال :
وربّ عليه اللّه أحسن صنعه * وكان له على البريّة ناصر
ولدينا نموذج آخر من شعر هذا الشّاعر أيضا ، وهو دليل على ما ذهبنا إليه . لقد يمّم النّابغة الّذي لم يحظ بعطف النّعمان صوب الغساسنة ، فقرّبه الملك عمرو بن الحارث الأصغر وأكرمه . وأنشد قصائد في مدح هذا الملك وأسرته ، ولا زالت مجموعة من هذا الضّرب من القصائد باقية إلى اليوم باسم « الغسّانيّات » . وأدناه بيتان منها ، وأهمّيّتهما في بحثنا هذا تفوق البيت الّذي نقلناه أعلاه ، وهما :
لهم شيمة لم يعطها اللّه غيرهم * من الجود والأحلام غير عوازب
مجلّتهم ذات الإله ودينهم * قويم فما يرجون غير العواقب
وهذه الحقيقة - الدّالّة على أنّ شاعرا كبيرا مثل النّابغة يستعمل لفظ « اللّه » بمعناه المسيحيّ ، وكان بكامل قواه العقليّة ، ولكن بدون إحساس مسيحيّ على أقلّ