تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 878

مساهمون:

ص٨٧٨
وكان اليهود والنّصارى يتكلّمون العربيّة في الجزيرة العربيّة ، وكما أشرت مرارا إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّهم يطلقون على إله الكتاب المقدّس اسم « اللّه » ، وهذا أمر طبيعيّ جدّا ، لأنّ المعنى الأساسيّ لهذه الكلمة هو معنى مجرّد محض ؛ حيث إنّه يطابق كلمة « هوذوس » اليونانيّة إجمالا ، وهذه بحدّ ذاتها كانت أرضيّة مناسبة جدّا لتقارب هذين المفهومين المختلفين للإله ، وإيجاد نوع من الوحدة فيما بينهما في أذهان الجاهليّين بالرّغم من بعض الإبهام . وكانت المفاهيم الدينيّة اليهوديّة والنّصرانيّة بصورة عامّة آنذاك جاهزة للنّفوذ في كلا الفريقين ، أعني أنّ لهذه المفاهيم أثرا في عرب الجاهليّة واليهود والنّصارى من ناحية الاطّلاع على وضع بعضهم بعضا . ويلحظ صدى هذه الحال في كثير من الرّوايات المهمّة ، وأذكر هنا إحدى هذه الرّوايات الّتي تعتبر نموذجا واضحا ، وهي رواية مشهورة حول اعتلاء النّبيّ [ صلّى اللّه عليه واله ] مسرح التّاريخ لأوّل مرّة باعتباره رسول اللّه . وقد أوردها البخاريّ في فصل « كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللّه » من صحيحه : بأنّه حينما نزل الوحي لأوّل مرّة على رسول اللّه بصورة مدهشة ومخيفة ، وهو يقول له :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
العلق : 1 ، واجه حالة لم يواجهها من قبل قطّ ، فغشيه الخوف والفزع ، وأصابه الإعياء والعناء وأصبح ممتعضا ومضطربا ، فلا يدري ما ذا يفعل ؟ ! وأخذت زوجته خديجة عليها السّلام تطيّب خاطره بكلامها ، ولم تكتف بذلك ؛ بل أخذته إلى رجل معتمد ورشيد ، لكي تطمئنه أكثر ، وهو ابن عمّها ورقة بن نوفل بن أسد ، وهو رجل مشهور . وأدناه نبذة من الرّواية ، كما ذكرها البخاريّ : « فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى بن عمّ خديجة ، وكان امرأ تنصّر في الجاهليّة ، وكان يكتب الكتاب العبرانيّ ، فيكتب من الأناجيل بالعبرانيّة ما شاء اللّه أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي . فقالت له خديجة : يا ابن عمّ ، اسمع من ابن أخيك . فقال له ورقة : يا ابن أخي ، ما ذا ترى ؟ فأخبره رسول اللّه خبر ما رأى . فقال له ورقة : هذا النّاموس الّذي نزّل اللّه على عيسى ، يا ليتني فيها جذعا ، ليتني أكون حيّا ؛ إذ يخرجك قومك . فقال رسول اللّه : أمخرجي هم ؟ قال : نعم ، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلّا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا » . ليس هناك دليل قاطع على الشّكّ في صحّة « 1 » هذه الرّواية ، بل الأمر خلاف ذلك ؛ لأنّ وجود لفظ « النّاموس » فيها يدلّ على صحّتها ويشهد على أصالتها ، ومن الواضع أنّه لفظ غير قرآنيّ ، ويقابله في القرآن لفظ « التّوارة » . وفي الحقيقة أنّ لفظ « النّاموس » محور هذه الرّواية ، وهو لفظ يونانيّ أصله « نوموس » ، أي الشّريعة ، ويعادله في العبريّة لفظ « تورا » ، أي التّوراة . إنّ ما تقدّم قد أوصلنا - برأيي - إلى نتيجة معقولة ، وهي أنّ الإسلام حينما ظهر في مكّة آنذاك كان المفهوم
هامش
( 1 ) هذه رواية إسرائيليّة لأنّها تثبت الشّكّ في أوّل البعثة للنّبيّ صلّى اللّه عليه واله .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 878 | مجمع البحوث الاسلامية