تقدير - لا تعني نزوة أو تعاطفا شخصيّا مع الممدوح ، بل لا بدّ أنّها أثّرت تأثيرا غير مباشر وعفويّا في الرّؤى الدّينيّة للمشركين المعاصرين وفي رؤيته الوثنيّة . ولا جرم أنّهم لقّنوا كيفيّة درك معنى لفظ « اللّه » بشكل يلائم الكتاب المقدّس ، وحثّوا على تلقّيها باستمرار حتّى أصبح مفهومهم الإشراكيّ للّه شبيها بالمفهوم المسيحيّ تقريبا ، وبصورة عفويّة .
5 - « اللّه » عند الحنفاء :
نتطرّق الآن إلى القسم الأخير من هذا البحث ، وهو مفهوم « اللّه » عند شريحة من المجتمع تعرف باسم « الحنفاء » ، وكانت من الموحّدين العرب قبل ظهور الإسلام . ولفظ « حنيف » لفظ مبهم ، ولا يعرف أصله إلى الآن ، ولذا يصعب كثيرا البتّ في معناه الأساسيّ . إلّا أنّ هذا الأمر مهما كان مهمّا فلايهمّ بحثنا كثيرا ولا نحتاج إلى التّوسّع فيه ، إنّ ما يهمّنا هنا هو طراز المفهوم التّوحيديّ الخاصّ - الّذي يمكن أن نطلق عليه المفهوم القرآنيّ تقريبا - للّه بما يوافق نظر الحنفاء . ويمكننا الاكتفاء بأنّ كلمة « حنيف » قد استعملت في القرآن - مرارا وخصوصا في السّور المدنيّة - بمعنى « موحّد » قبال كلمة « مشركين » . واستعملت أيضا مقرونة باسم إبراهيم :
ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
آل عمران : 67 ، وورد في فقرة مهمّة بأنّ عقيدة التّوحيد الخالصة المتمثّلة باسم إبراهيم هي « دين الحقّ » و « دين الفطرة » الّتي خلق النّاس عليها .
واكتسب أميّة بن أبي الصّلت شهرة فاقت جميع العرب الجاهليّين الّذين كانوا يعرفون الحنفاء ، وكان شاعرا معروفا لقبيلة ثقيف في الطّائف ، وقد وصلتنا قصائد كثيرة من أشعاره الّتي أنشدها . فضلا عن ذلك فقد ورد ذكره في الحديث ، لعلاقاته الشّخصيّة بالرّسول [ صلّى اللّه عليه واله ] ، ولذا نعتبره أهمّ من أيّ حنيفيّ آخر ، فلم يكن مغمورا كسائر الحنفاء ؛ إذ كانت أضواء التّاريخ مسلّطة عليه تقريبا .
ويعدّ أميّة بن أبي الصّلت علم مميّز في الأدب الجاهليّ ، فقد كان إحدى الشّخصيّات البارزة في قبيلة ثقيف ، وبحسب قول أبي عبيدة كان أعظم شعراء هذه القبيلة . وقيل : إنّه كان في الجاهليّة يبحث عن دين موحّد حقيقيّ لا يعكر صفوه أيّ شائبة من الشّرك ، ولكن باستبعاد الدّين اليهوديّ أو المسيحيّ ، والبقاء بعيدا عن المجتمعات الموحّدة . إضافة إلى أنّ المحيط الّذي كان يعيش فيه كان تقريبا مسيحيّا ويهوديّا تماما ، وكانت اليهوديّة أكثر انتشارا ، وكان اليهود والنّصارى يرغبون فيه ويودّون جذبه إليهم لما كان ينتمي إلى أصل يمنيّ .
وقيل : إنّه انكبّ على تعلّم اللّغة العبريّة والسّريانيّة بجدّ واستطاع أن يقرأ قسما من الكتاب المقدّس الّذي كان آنذاك بتينك اللّغتين . وممّا يدلّل على صحّة هذا القول هو ورود ألفاظ عبريّة وسريانيّة كثيرة في شعره ، وكانت تثير إلى حدّ ما عجب علماء اللّغة في العصر العبّاسيّ . ممّا حدا بابن قتيبة أن يقول : لا يمكن الاحتجاج بشعره كما يحتجّ بشعر سائر شعراء العصر الجاهليّ عند تفسير القرآن ، لوجود كلمات غريبة كثيرة فيه .