الظّروف العاديّة ، إلّا أنّهم يتذكّرونه ويلهجون باسمه عندما تداهمهم الأخطار . وكان من عادتهم في الجاهليّة كما ذكر القرآن ذكر اسم اللّه عند القسم والأيمان المغلّظة
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
النّحل : 38 .
وكان اللّه يعرف في العصر الجاهليّ بلحاظ خاصّ باسم « ربّ البيت » و « ربّ الكعبة » أو « ربّ مكّة » . وفي الأدب الجاهليّ شواهد كثيرة تدلّ على أنّ مفهوم « اللّه » في قولهم : « ربّ مكّة » ، له شهرة واسعة بين العرب قاطبة في مكّة وخارجها . وأورد هنا نموذجا رائعا لذلك ، وهو بيت من الشّعر لشاعر جاهليّ معروف ، وهو عديّ بن زيد الشّاعر المسيحيّ في بلاط الحيرة . وهو بيت من قصيدة أنشدها في سجن الملك النّعمان الثّالث :
تسعى الأعداء لا يألون شرّا * عليّ ، وربّ مكّة والصّليب
3 - اليهود والنّصارى :
كان العرب آنذاك محاطين بالقوى المسيحيّة العظمى ، فالحبشة كانت مسيحيّة ، وكان الأحباش يعتقدون بطبيعة المسيح الواحدة ، وكان الإمبراطور البيزنطيّ - الّذي بهر العرب بحضارته الرّاقية - مسيحيّا ، وكذا كان الغساسنة ؛ إذ هم حرّاس المنطقة الواقعة تحت نفوذ الإمبراطوريّة القسطنطينيّة في بلاد العرب ، وكانوا يعتنقون المسيحيّة منذ عصر ملكهم الثّاني عمرو الأوّل الّذي اشتهر ببناء صوامع الحالي وأيّوب والحنّاد حتّى سقوط دولتهم عام ( 637 م ) بيد المسلمين الفاتحين في عهد آخر ملوكهم جبلة الثّاني ، وكانوا يعتقدون بطبيعة المسيح الواحدة .
ومن ناحية أخرى كانت الحيرة - الّتي تعتبر مستعمرة إيرانيّة - ذات نفوذ عظيم في حياة العرب وأفكارهم وحتّى في حياة الأعراب أيضا . وكما هو المعروف فإنّ المركز المهمّ الكنيسة السّريانيّة الشّرقيّة هو المذهب المسيحيّ النّسطوريّ . وكان بعض القبائل الكبيرة من البدو الرحّل متأثّرا بالمسيحيّة نتيجة الاحتكاك المباشر بهذه المراكز المسيحيّة المهمّة ، فضلا عن ذلك فقد كان بعض المثقّفين العرب آنذاك له اطّلاع واسع على المسيحيّة كما ذكرنا آنفا ، ومن هؤلاء النّابغة الشّاعر الكبير ، وهو نموذج بارز لهذه الشّريحة . وهناك شاعر فحل جاهليّ آخر ، وهو الأعشى الأكبر الّذي كان يقيم علاقات شخصيّة وثيقة مع كهنة نجران ، ومن يطالع ديوانه بدقّة يجد أنّ معرفته بالمسيحيّة ليست سطحيّة .
ومن يتصوّر أنّ أهل مكّة لم يتأثّروا بهذا العامل فهو مجانب للصّواب ؛ بدليل بسيط ، وهو أنّ هؤلاء كانوا تجّارا محترفين ، وكانوا يشدّون الرّحال إلى المناطق المسيحيّة غالبا للتّجارة ، إضافة إلى ذلك فقد كان عند أهل مكّة عبيد مسيحيّون ، ويعيش في نفس المدينة أيضا مسيحيّون من قبيلة بني أسد ابن عبد العزّى .
وأمّا اليهود فقد فضّل بعض القبائل اليهوديّة العيش في الجزيرة العربيّة ، وألقى اليهود المهاجرون أو اليهود الجدد رحالهم في أهمّ المناطق ، منها يثرب وخيبر وفدك وتيماء ووادي القرى . ولا شكّ أنّ أهل مكّة كانوا يدركون بعض الأفكار والمفاهيم اليهوديّة بالرّغم من عدم وجود أيّ يهوديّ بين أظهرهم .