الّذي يفوقها جميعا .
وأمّا المعنى النّسبيّ للفظ « اللّه » في الجاهليّة فقد كان يخصّ عالم الطّبيعة الجاهليّ إضافة إلى المعنى الأساسيّ لهذا اللّفظ . ولا جرم أنّ جميع العناصر النّسبيّة قد طرقت سمع أهل مكّة من خلال آيات القرآن ، حينما كان النّبيّ محمّد [ صلّى اللّه عليه واله ] بين ظهرانيهم في بدء البعثة .
ولا شكّ أنّ من بين العناصر النّسبيّة الّتي نشأت ونمت في العصر الجاهليّ حول مفهوم اللّه اعتبر الإسلام بعضها سقيمة تماما ولا تنسجم مع طرز التّصوّر الدّينيّ الجديد ألبتّة ، ممّا أدّى إلى حدوث نزاع شديد بين الطّرفين . وكان أهمّ هذه العناصر الّتي لا تلائم الإسلام فكرة تقول : إنّ اللّه له شركاء ، على الرّغم من عظمته وسموّه على سائر الآلهة . ولكن حين المرور على هذا العنصر الشّركيّ وعلى بعض الأمور المهمّة الأخرى نرى القرآن يعرض المفهوم العامّ للفظ « اللّه » المتداول عند المشركين بصورة مذهلة مقاربة لمفهوم « اللّه » ؛ إذ وردت بضع آيات من القرآن متسائلة بتعجّب : لم يصرّ هؤلاء على رفض حقائق الدّين الجديد وتعليماته ، على الرّغم من معرفتهم باللّه واعتقادهم السّليم به ، وسنتناول هذا الموضوع ثانية .
وتبادرت إلى ذهني حقيقة أثناء البحث والتّحقيق حول فكرة نشوء المعنى النّسبيّ لكلمة « اللّه » وتكامله عند عرب الجاهليّة ، وهي أنّ أساس تكوينه ينبع من أربع حالات :
1 - مفهوم « اللّه » بمنظار الشّرك : وهو تصوّر عربيّ محض ، إذ نراه عند العرب أنفسهم قبل الإسلام ، ممّا ورد في نصوصهم حول « اللّه » كما يفهمونه . ومن الجدير بالذّكر أنّ الأدب الجاهليّ ليس المصدر الوحيد الّذي يسعفنا في هذا المضمار ؛ حيث يمكن الحصول على معلومات كاملة وافية من القرآن نفسه ، فهو يصف الحوادث الجارية بشكل حيّ .
2 - مفهوم « اللّه » بمنظار اليهود والنّصارى : فهم يستعملون لفظ « اللّه » كما يستعمله هؤلاء قبل الإسلام ، ومن المسلّم في هذه الحالة أنّ « اللّه » يعني إله الكتاب المقدّس الّذي يعبّر عن تصوّر توحيديّ من اللّه . ويمكن العثور على نماذج مثيرة جدّا لهذه الحالة ، كما في آثار « عديّ بن زيد » مثلا ، وكان مسيحيّا وشاعرا لبلاط في الحيرة .
3 - مفهوم « اللّه » بمنظار توراتيّ : وهو تصوّر لدى عرب الجاهليّة من غير اليهود والنّصارى . وقلّما يحدث هذا التّصوّر عندهم ، فينتهز مثلا شاعر بدويّ فرصة ليمدح ملكه المسيحيّ ، فيستعمل في مديحه لفظ « اللّه » طبق معناه عند النّصارى وكما يعتقدون به ، سواء كان عالما بذلك أم لم يعلم ، على الرّغم من كونه مشركا .
4 - مفهوم « اللّه » بمنظار حنيفيّ : وهذا تصوّر خاصّ ومحدود جدّا ، وبينه وبين التّصوّرات السّابقة بون شاسع وكان يطلق على معتنقيه « الحنفاء » ، وبقي مستقلّا بذاته حتّى جاء الإسلام فأخرجه من عزلته وسلّط عليه الأضواء . ونقدّم نموذجا من هذه الجماعة في بحثنا هذا ، وهو « أميّة بن أبي الصّلت » الّذي ما كان يهوديّا ولا نصرانيّا ، بل كان ينحو منحى دينيّا فريدا في العبادة ، وقد تسرّب هذا المفهوم بطرق مختلفة في دنيا العرب قادما
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 875
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٨٧٥