أخرى فإنّ القرآن حينما جاء به كان معروفا ولم يأت لتسمية الإله بشئ جديد يكون غريبا عند العرب آنذاك .
وهنا يثار بعض الأسئلة حول ذلك ؛ هل أنّ التّصوّر القرآنيّ بخصوص « اللّه » هو استمرار لتصوّر كان سائدا قبل الإسلام ، أو أنّه فيصل بينه وبين ما يتعلّق به ؟
وهل أنّ بعض الرّوابط الأساسيّة - لا العرضيّة والطّارئة - لها وجود بين كلا المفهومين اللّذين تنوب عنهما كلمة واحدة ، أو كان مجرّد استعمال لكلمة مشتركة لمعنيين متفاوتين في الاستعمال ؟
وما هي مقتضيات هذه الحقيقة الدّالّة على أنّ لفظ اللّه لم يكن مجهولا لدى الفريقين بل كان متداولا فيما بينهما عند المناقشات ؟
والحقيقة أنّ لفظ « اللّه » كان مشتركا بين المشركين والمسلمين ، وخصوصا أنّ هذه الحقيقة - الّتي كانت سببا لإيجاد المباحثات السّاخنة حول تصوّر اللّه ومفهومه - تفرز هذا الفكر كما يبدو ؛ إذ كانت هناك أرضيّة مشتركة للتّفاهم بين الطّرفين المتصارعين ، وإلّا لم تحدث مناظرة ومشاجرة قطّ . ولذا فإنّ النّبيّ [ صلّى اللّه عليه واله ] حينما كان يفتح كلامه مع خصومه باسم اللّه كان يعلم علم اليقين بأنّ هذا الاسم له وقع عظيم في عقولهم وأفكارهم ، وإن لم يكن الأمر كذلك كانت جهوده تذهب أدراج الرّياح ويعود بخفيّ حنين .
ولهذا العنصر المشترك معنيان : الأوّل : معنى أساسيّ ، والثّاني : معنى نسبيّ .
فمن ناحية المعنى الأساسيّ للفظ « اللّه » فقد عمد كثير من علماء الغرب إلى مقارنة هذه الكلمة مع الاسم اليونانيّ « هوذوس » من حيث الشّكل الصّوريّ ، فوجدوها تدلّ على معنى « اللّه » ببساطة ، وهي كذلك برأيي . وكان لفظ « اللّه » في هذا القياس المجرّد مشتركا بين جميع القبائل العربيّة ؛ إذ كان لكلّ قبيلة قبل الإسلام إله مخصوص بها عادة ويطلق عليه اسم خاصّ . وبناء على هذا فيحتمل أوّل الأمر أنّ كلّ قبيلة حينما تستعمل كلمة تناظر « اللّه » فالمقصود بها نفس ذلك الإله المخصوص بها ، وهذا الأمر قريب الاحتمال جدّا . ولكن نفس هذا المسلك الّذي اختطّته القبائل لنفسها بأن تعرّف إلهها الخاصّ بها بكلمة « اللّه » المجرّدة ، هو نهج لتكوين وترقّي مفهوم مجرّد للّه لا تشوبه صفة محلّيّة وقبيليّة . ولتحقيق هذا الهدف أصفقت القبائل على ضرورة البحث عن إله مشترك لها ، ويمكن ملاحظة نماذج كهذه في كافّة أنحاء العالم .
فضلا عن ذلك فلا يغيب عن أذهاننا بأنّ اليهود والنّصارى كانوا يعيشون في الجزيرة العربيّة ، وبذلك سخت فرص كثيرة للعرب للاحتكاك بهؤلاء والاطّلاع على ثقافتهم عن كثب ، ومن الطّبيعيّ أنّ اليهود والنّصارى يستعملون لفظ « اللّه » للإشارة إلى إله كتابهم المقدّس . وهذا الأمر كان باعثا على تكوين وشيوع مفهوم « اللّه » عند العرب قبل الإسلام ، وظهور مفهوم أسمى من إله القبيلة ، سواء كان بين أهل الحضر أم بين أهل الوبر .
ويمكن استخلاص هذه الحقيقة البحتة من القرآن فقط ، بأنّ النّبيّ محمّد [ صلّى اللّه عليه واله ] حينما شرع بدعوته كان المشركون يلمّون بفكرة مبهمة عن « اللّه » أفضل الآلهة
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 874
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٨٧٤