الآية : 100 ، سورة الطّور ، الآية : 28 ) . أمّا محمّد [ صلّى اللّه عليه واله ] فإنّ رأيه واضح في هذه الأمور ، فإنّه إلى جانب قوله بوجود اللّه يقول بوجود الملائكة ووجود الجنّ مع الشّيطان ، وإنّ الشّياطين كانت على صلة بالجنّ والملائكة . وهذه الكائنات « 1 » هي الّتي كان أهل مكّة يجأرون إليها في الواقع ، ولكنّها لم تكن تملك لهم نفعا ولا ضرّا ، ( سورة بني إسرائيل ، الآية : 58 ) . أمّا اعتبارهم هذه الكائنات إناثا وتسميتهم لها بأسماء ، فهو إفك ظاهر البطلان . ويبدو من هذا أنّه مهما يكن الأمر بمكّة في عهدها الأوّل ، ومهما يكن الأمر في بقيّة بلاد العرب ، ومهما يكن أصل الأسماء الّتي أطلقوها على هذه الكائنات - فإنّ الدّين في مكّة أيّام محمّد [ صلّى اللّه عليه واله ] لم يكن وثنيّة ساذجة ، بل كان أشبه بالعقيدة المسيحيّة الّتي جعلت للقدّيسين والملائكة مقاما بين اللّه وعباده . وقد كان محمّدا [ صلّى اللّه عليه واله ] يرى أنّه جاء مصلحا يدعو إلى عقيدة أكثر بساطة وقدما ، ويعيد الملائكة والجنّ إلى مكانهم الصّحيح .
ب - عقيدة محمّد [ صلّى اللّه عليه واله ] في اللّه :
تبدو عقيدة محمّد [ صلّى اللّه عليه واله ] بسيطة واضحة في الرّكن الأوّل من أركان الإسلام ، وهو شهادة أن لا إله إلّا اللّه .
ومعنى هذا عند محمّد [ صلّى اللّه عليه واله ] وعند أهل مكّة هو أنّ اللّه وحده هو الإله الحقّ دون سائر الآلهة الّتي كان يعبدها أهل مكّة . وشهادة أن لا إله إلّا اللّه لم تتعرّض لماهيّة اللّه ، وإنّما تعرّضت فقط لبيان مقامه . وعلى هذا فكلمة « اللّه » كانت ولا تزال اسم العلم الّذي يطلق على الخالق عند المسلمين . وهي تقابل كلمة « يا هو »
ewhaY
عند اليهود ، لا كلمة « الوهيم »
miholE
وليس لكلمة « اللّه » جمع ، وإذا أراد المسلمون الكلام عن الآلهة بالجمع فإنّهم يلجأون إلى جمع كلمة « إله » . وهي اسم جنس يرجّح أنّ كلمة « اللّه » اشتقّت منه . وكان محمّد [ صلّى اللّه عليه واله ] يستعمل هذا الجمع عند كلامه عن الآلهة الأخرى ، الّتي كان أهل مكّة يشركونها مع اللّه ، ( سورة الأنعام ، الآية :
19 ) ، وقد حذا حذوه المسلمون في ذلك ، ولو أنّهم آثروا أن يطلقوا على تلك الآلهة اسم الأصنام أو الأوثان تمييزا لها . ( انظر مادّة « اللّه » في
noigiler fo yranoitciD scihte gnitsaH : dna ( .
على أنّه وإن كان اسم « اللّه » واحدا عند أهل مكّة وعند محمّد [ صلّى اللّه عليه واله ] ، فإنّ تصوّرهم لحقيقة اللّه لا بدّ أن يكون مختلفا اختلافا بيّنا . ومن الواضح أنّ أهل مكّة على وجه عامّ لم يكونوا يخافون اللّه ، وإنّما خوفه كان من أركان عقيدة محمّد [ صلّى اللّه عليه واله ] . وكان أهل مكّة يظنّون اللّه بعيدا عنهم بعدا عظيما ، في حين أنّ محمّدا [ صلّى اللّه عليه واله ] كان يقول : إنّ اللّه قريب جدّا في كلّ لحظة ، بل هو أقرب إلى النّاس من حبل الوريد ، ( سورة ق ، الآية : 16 ) . ولم يتردّد أهل مكّة في عصيان اللّه وعبادة آلهة أقلّ شأنا .
وقد عرّف محمّد [ صلّى اللّه عليه واله ] ( اللّه ) بأنّه الملك ، المنتقم الغيور وأنّه سيحاسب النّاس من غير شكّ ويعاقبهم في اليوم الآخر . وبذا تحوّلت تلك الفكرة الغامضة عن اللّه إلى ذات لها خطر عظيم .
هامش
( 1 ) لم يعرف عن العرب أنّهم عبدوا الشّياطين ، إنّما كان بعضهم يعبد الجنّ ، وبعضهم يعبد الملائكة . ثمّ إنّ الآية الّتي أشار إليها الكاتب في هذا الموضع لا علاقة لها بما أشار إليه . الفقيّ